(59) أثر رمزية شامبليون على حق مصر في استرداد آثارها (4)

يفترض هذا التدبر، إعادة قراءة رمزية تمثال شامبليون، لا بوصفه أثرًا فنيا أو موضوع نزاع، بل باعتباره تعبيرًا مكثفًا عن لحظة تاريخية اختل فيها ميزان العلاقة بين المعرفة والسيادة

محمد بكري

 ليست كل الأفكار - في ملف استرداد الآثار المصرية التي خرجت من مصر قبل 1956 - تُطلق وتُحلق حين تولد، فبعض السرديات لا تُكتب لتنتصر الآن، بل لتظل قائمة عندما تتغير شروط الانتصار، واستحضار أثر رمزية شامبليون على حق مصر في استرداد آثارها، يستدعي تدبر التصريح الرسمي للسفير “ستيفان روماتيه” 2019 بحضور وزيري الثقافة والآثار المصريين عندما قال إن التمثال يعبر عن الروابط التي تربط مصر بفرنسا وهو هناك منذ 120 عاما، وسيظل 120 عاما دليلا على المناخ الثقافي!

يفترض هذا التدبر، إعادة قراءة رمزية تمثال شامبليون، لا بوصفه أثرًا فنيا أو موضوع نزاع، بل باعتباره تعبيرًا مكثفًا عن لحظة تاريخية اختل فيها ميزان العلاقة بين المعرفة والسيادة، تمثل مدخلًا مفاهيميًا ضروريًا لفهم أزمة ملف الآثار المصرية المنقولة إلى الخارج قبل عام 1956. هذا الاختلال الرمزي والمعرفي قد سبق، ومهّد، وشرعن لاحقًا لتصرفات أثرية صدرت في ظل سيادة منقوصة وإرادة وطنية غير مكتملة، هذا المنظور يفتح أمام مصر إمكانية تأسيس إستراتيجية قانونية جديدة لاستعادة آثارها، لا تقوم على نفي الوقائع التاريخية أو اتهام الحائزين، بل على إعادة مساءلة الأساس السيادي والمعرفي الذي جرى في ظله نقل هذا التراث، بما يسمح بتحقيق مكاسب تفاوضية وثقافية تدريجية في الحاضر، وترسيخ حق مستقبلي مستدام في العدالة الحضارية.

في المقال السابق رقم (58) أثبتنا أن صناعة القرار في ملف الآثار المصري ظل في يد أجنبية كاملة من 1858 – 1956، والأزمة بدأت قبل ذلك، مع خروج حجر رشيد بموجب اتفاق عسكري بين قوتين احتلاليتين (إنجلترا/ فرنسا)، دون أي مشاركة مصرية سيادية، فمصر لم تكن طرفًا أصلًا في الحرب او التصرف! وبالتالي فنحن لسنا بإزاء رضا مشوب، بل انعدام رضا مصري كامل! فحجر رشيد – يُعتبر قانونا - نقلًا قهريًا لعنصر سيادي ثقافي، جرى خارج أي إطار تمثيلي أو قانوني مصري، وأنتج حيازة لا ترقى إلى مستوى الملكية الحضارية، لدرجة عدم جواز اعتباره غنيمة حرب مشروعة وفق قوانين عصرها! فالآثار حتى وفقا لمعايير القرن 19، لم تكن غنيمة حرب تقليدية، فالغنيمة تفترض نزاعا بين دولتين ومصر لم تكن طرفا في الحرب الإنجليزية/ الفرنسية التي غنمت فيها إنجلترا آثارا مملوكة لدولة ثالثة غير طرف! (وهو ما استقر عليه القانون الدولي من نزع المشروعية عن الغنائم الثقافية)، وبالتالي فالحيازة الإنجليزية لحجر رشيد واقع تاريخي بدون سند قانوني أو هشة سياديا.

وهنا يظهر الاختلاف عن حالة رأس نفرتيتي، التي اكتشفت عام 1912 بواسطة بعثة ألمانية بقيادة لودفيغ بورخارت، وخرجت طبقا لنظام التقاسم “Partage”، وكانت مصر وقتها خاضعة للاحتلال البريطاني، ذات إدارة أثرية يهيمن عليها أجانب، بلا سيادة كاملة على قرارها الثقافي، والقسمة لم تكن عقدًا متكافئًا بين دولتين ذاتي سيادة، بل إجراءً إداريًا داخل منظومة استعمارية غير متوازنة، شابها خلل فني وغلط وتدليس مسبق، ومع الجدلية الشكلية لنظام القسمة، إلا أنه لم يصدر عن برلمان وطني أو سلطة سيادية مصرية منتخبة، بل عن جهاز إداري خاضع للهيمنة الأجنبية، ويفتقر لتمثيل الإرادة الثقافية للشعب، وبالتالي الرضا هنا ليس “باطلًا” بمعناه التقليدي، لكنه ناقص السيادة، وغير منتج لملكية نهائية للآثر، وعليه فلا يكون التصرف نقل ملكية مكتملة، بل نقل حيازي مشروط تم في ظل سيادة منقوصة، بعدم تكافؤ معرفي وأثري، وإخراج للأثر من سياقه الحضاري، فالقسمة كآلية إدارية استعمارية لا تُنشئ ملكية ثقافية نهائية إذا ثبت اختلال الإرادة الوطنية.

لذلك يجب تغيير المنظور لرمزية تمثال شامبليون بوصفه الدليل البصري على اختلال الإرادة/ وعدم التكافؤ/ والهيمنة المعرفية. خصوصا أن النسخة الأولى منه 1867 (الحذاء على رأس أبو الهول) والثانية 1875 (الحذاء على رأس الملك المصري القديم)، أتيا بعد خروج حجر رشيد 1801، ليكرس لحظة تثبيت الاختلال، بانتصار السردية الأوروبية (نحن نقرأ/ نحن نفسّر/ نحن نضع القدم)، وبالتالي فلم تعد رمزية التمثال في إساءته للمصريين والتاريخ المصري كواقعة شعورية عاطفية، ولكن المنظور الأعمق هو تجسيده لخلل علاقة أوروبا بمصر وحضارات الشرق، وعليه يتجاوز صفة الاتهام لجرحه الكرامة، بكونه شاهدا وتوثيقا لهذا الخلل، ومرآة عصره لا مجرد خصم فني من نحات موتور! فمن هذا الاختلال، خرجت الأصول، وتكرّست السرديات، وهو ما تسعى مصر اليوم إلى إعادة توازنه بسردية تاريخية قانونية جديدة.

الخطورة الحقيقية في فك السردية الفرنسية/ الأوربية لهذا التتابع في الاستحواذ، يكشف أنه لم يكن عشوائيًا، بل مر بثلاث مراحل واضحة؛ مرحلة القوة (1801) حجر رشيد بزعم الغنيمة العسكرية، ولا حاجة لتبرير رمزي! ثم مرحلة السردية (1858–1875) تأسيس مصلحة الآثار ورمزية تمثال شامبليون لتثبيت من: يقرأ؟ / يفسّر؟ / يملك المعنى؟ لتأتي مرحلة “الشرعنة الهادئة” (1875–1956) القسمة/ البعثات/ التبادلات/ الموافقات الإدارية) التمثال لم يكن نتيجة الخروج… بل كان شرطه الذهني! فتمثال شامبليون أعاد تعريف العلاقة بين مصر وآثارها قبل أن تخرج الآثار فعليًا، بتثبيت نقل السيادة من الأرض إلى العقل ومن المالك إلى المفسّر، وبعدها…أصبح خروج القطع مفهومًا، مبررًا، بل “علميًا وقانونيا”.

التحليل الموضوعي للتتابع الزمني والبيئة القانونية القديمة، يجعل نقل الآثار المصرية إلى الخارج قبل عام 1956 لا يمكن تحصينه تلقائيًا بحجة المشروعية الشكلية أو التقادم الزمني، بل يظل قابلًا لإعادة التوصيف القانوني، باعتباره نتاج بيئة استعمارية ومعرفية غير متكافئة، على نحو يُسقط عنه صفة المشروعية السيادية النهائية، ويفتح الباب لمسارات تصحيحية تفاوضية مشروعة في ضوء تطور مفهوم العدالة الثقافية في القانون الدولي المعاصر، فالمشروعية القانونية لتصرفات نقل الآثار لا تُستمد من صحة الإجراء أو قدم الحيازة، بل من اكتمال السيادة التي صدرت في ظلها، وأن أي تصرف حضاري جوهري تم في مرحلة كان فيها تعريف المعنى والملكية محتكرًا من قوة مهيمنة، يظل منقوص الأثر، تمامًا كما تُعد الديون المبرمة في ظل نظم فاقدة للشرعية ديونًا غير مُلزِمة للدولة اللاحقة.

فهل حان الوقت لمصر 2025 لدراسة إستراتيجية واقعية حقيقية لإعادة توصيف المشروعية القانونية لتصرفات نقل الآثار المصرية إلى الخارج قبل عام 1956؟ وما سندها في ذلك؟ وهل هناك سوابق دولية يمكن الاستناد لها؟ وهل ستنعكس هذه الإستراتيجية على تفكيك رمزية تمثال شامبليون كمنتج ذهني كُرس لتأسيس سردية وهيمنة معرفية تُرجمت قانونيا، وساعدت رمزيتها بدعس الحذاء للإرادة المصرية، على تبني النخبة الإدارية الأجنبية لتعميق نظام التقاسم والقيادة الإدارية وقانون 1912 وما نتج عنهم من تفريط مقصود في الآثار المصرية؟

حقا، بعض السرديات لا تُكتب لتنتصر الآن، بل لتظل قائمة عندما تتغير شروط الانتصار، وهو قريب!

* محامى وكاتب مصرى

[email protected]