عندما يتحول الإنترنت إلى حق إنساني لا سلعة تكنولوجية

سيلة تمنح سكان المدن الصغيرة القدرة على التعلم التجارة عبر الإنترنت تشغيل مشروعات صغيرة

حاتم زغلول

على مدى عقود، ظل الإنترنت حكرًا على من يستطيع دفع ثمنه. البنية التقليدية للاتصالات بُنيت لتخدم المدن الغنية، الشركات الكبرى، والأسواق التى تضمن أرباحًا طويلة الأمد. أما المناطق الفقيرة، خصوصًا فى أفريقيا، فلم تكن سوى نقطة هامشية فى خرائط الشركات العالمية.

لكن ثمة رؤية جديدة تتشكل، رؤية تعتبر الإنترنت ليس مجرد خدمة، بل حقًا إنسانيًا يضمن التعليم، والفرص، والحرية الفردية. رؤية لا تنتظر أن تهبط البنية التحتية من السماء، بل تبنيها من الأرض… ببساطة، وذكاء، وتكلفة تقترب من الصفر مقارنة بالنظم التقليدية.

تبدأ الفكرة من سؤال بسيط: لماذا يجب أن تُدار الاتصالات من خلال أبراج ضخمة ومراكز تتحكم بمصير آلاف المستخدمين؟ لماذا لا تكون الشبكة موزعة، حيًّا بحيّ، وبيتًا ببيت؟ لماذا لا يمتلك المستخدم جزءًا من الشبكة نفسها؟

من هنا جاءت شبكات “الجزيرة” أو الشبكات اللامركزية، حيث يعمل كل جهاز كمحطة إرسال واستقبال فى الوقت نفسه. تتدفق البيانات عبر المستخدمين، لا عبر مركز واحد، فيتحول المجتمع كله إلى شبكة رقمية متكاملة تخدم نفسها بنفسها.

العقل المدبر لهذا النموذج جهاز بلوك تشين صغير، يعرف عدد المستخدمين، يحدد الاستهلاك، يضمن التوثيق، ويخزن البيانات الضرورية محليًا دون الحاجة إلى أنظمة معقدة أو خوادم باهظة.

هذا النموذج لا يحتاج إلى تكنولوجيا معقدة باهظة التكلفة، بل إلى فكرة عادلة:

أن تكون الاتصالات فى يد الناس، لا فى يد الشركات الضخمة.

المثير أن هذا النوع من الشبكات قادر على تقليل التكلفة إلى حدود غير مسبوقة. فى قرية كاملة قد لا يتجاوز إنشاء الشبكة ألف دولار، بينما فى النظام التقليدى يجب أن تدفع الشركات ملايين للحصول على التراخيص وحدها.

التكنولوجيا هنا ليست هدفًا… بل وسيلة.

وسيلة تمنح سكان المدن الصغيرة القدرة على التعلم، التجارة عبر الإنترنت، تشغيل مشروعات صغيرة، وربط مدارسهم وأسواقهم بالعالم.

ومع كل خطوة، تتغير الصورة القديمة عن أفريقيا باعتبارها “سوقًا” إلى صورة جديدة:

قارة شابة، لديها أحلام، وتملك الحق فى أن تختار حياتها.

وهذه الرؤية، ببساطتها، قد تكون الشرارة التى تجعل الإنترنت حقًا عالميًا حقيقيًا، لا امتيازًا لمن يملك المال أو ينتمى للمدن الثرية إنها بالفعل تستحق أن نطلق عليها مشروع “العدالة الرقمية”.

* مخترع الواي فاي السريع

د. حاتم زغلول