فى عينها اختلطت
دماء الناس والأيام والأشياء
سكنت كهوف الضعف
واسترخت على الأوهام
ما عادت ترى الموتى من الأحياء
كلمات نسجها الشاعر المصرى الكبير فاروق جويدة 1، قد تكون الأقدر على وصف مشاهد العاجزين فى هذا العالم الصامت أمام تجارة رائجة، لم يسلم منها الموتى ولا الأحياء.
فعلى مرأى ومسمع من العالم، تاجرت إسرائيل بجثث رهائنها فى قطاع غزة، لتحقيق مكاسب سياسية وعلى الشط الآخر من المشهد المأساوي، أغمض المجتمع الدولى عيْنَيه عن «10 آلاف ضحية» تحت الأنقاض بالقطاع، كأننا نغرق فى أهوال حرب عالمية ثانية، عندما صمت عواء رصاصها فى منتصف أربعينيات القرن الماضي، ولكن ظل البحث عن مفقوديها مستمرا للآن دون إنهاء لأوجاع ذويهم التاريخية.
وبنحو قريب الشبه، تاجرت توقعات عبر الشاشات ومنصات التواصل لاسيما فى الشرق الأوسط بالأحلام والأحداث، لتجنى بما تسميه «إلهاما» أرباحا وشهرة غير عابئة بضحاياها، أو المشككين فى تنبؤات تفوح منها رائحة الغيب المصنوع والذين يكتفون مثلنا بالحديث الموجوع مع النفس.
جئتُ إليك .. مثخناً بالطعنات والدماءْ
أزحف فى معاطف القتلى، وفوق الجثث المكدّسة
منكسر السيف، مغبَّر الجبين والأعضاءْ. 2
وربما يكون ما نحته الشاعر المصرى أمل دنقل فى وجداننا منذ عقود، معبرا عن واقع من يرون تفاصيل التجارة الأولى، عندما تمسك رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو بعدم المضى فى التزامات 3 اتفاق وقف إطلاق النار بغزة، والمبرم فى 10 أكتوبر/ تشرين أول 2025، إلا بتسلم جثث الرهائن الـ28 أولا، محاولا جلب تعاطف ذويهم، لمدّ عمره السياسى المهدد أمام خصومه بأزمة أشبه بالسكتة القلبية.
وساندت تلك التجارة السياسية أصوات غربية لاسيما من داخل البيت الأبيض، وعلا التهديد والوعيد تجاه من يحتفظ بتلك الجثث فى غياهب الأرض الفلسطينية المضطهدة منذ عقود.
ولا اختلاف، يجب أن تعود الجثث الإسرائيلية لذويها، فهذا هو حكم الدين، والقانون الدولى الإنساني، لكن الكارثة أنه بالمقابل أغمض أغلب العالم عيْنَيه عن «أكثر من 10 آلاف شهيد ما زالوا مدفونين تحت الأنقاض فى مختلف مناطق القطاع»، وفق ما ذكرت لجنة شؤون المفقودين الفلسطينية فى بيان يوم 6 نوفمبر/ تشرين ثان 2025، وكأنه كتب على فلسطينى قطاع غزة حرمان جديد من حقى الدفن وإلقاء النظرة الأخيرة على فلذات أكبادهم.
كيل بمكيالين
«لقد رأى العالم أجمع المعدات التى جُلبت لانتشال جثث الرهائن الإسرائيليين نحن بحاجة أيضًا إلى نفس المعدات لانتشال جثثنا»، طلب بسيط ملىء بالأسى جاء على لسان مدير الدعم الإنسانى فى الدفاع المدنى بغزة محمد المغير، فى حديث إلى صحيفة الجاردين البريطانية يوم 2 نوفمبر/ تشرين ثان 2025، ضمن تقرير 4 استند لصور ورسوم بيانية، ورأى هذه المهمة «الأكثر مشقة فى تاريخ الحروب الحديثة» باعتبار أن الفلسطينيين أمامهم حفر 61 مليون طن من الأنقاض، بما يعادل 20 ضعف إجمالى كتلة الأنقاض الناتجة عن النزاعات منذ عام 2008.
هذا التوصيف المرّ السابق للواقع، تسكب الشابة الفلسطينية آية أبو نصر (26 عاما) عليه مزيدا من الأوجاع، وهى تتحدث لـ«الجادرين»، قائلة إنها فقدت 100 من أفراد عائلتها فى غارة إسرائيلية واحدة مازال نصفهم تحت الركام، وتحاول مرارا استعادة الجثامين، لكن بقاياهم متناثرة بين الطابقين الأرضى والأول (بالمنازل المهدمة) ، ولا يمكن استخراجهم دون معدات ثقيلة.
وبالفعل عندما بدأت فرق الإنقاذ الفلسطينية أولى خطوات استخراج الجثامين فى مشروع مشترك مع الصليب الأحمر فى 22 نوفمبر/ تشرين ثان 2025، كان العائق عدم وفرة المعدات. 5
وعلى هذا النحو، يبدو أن القطاع سيكون «أكبر تجمع للمقابر فى العالم» وأمام «مأساة إنسانية مركبة» وفق ما ذكره رئيس لجنة المفقودين علاء الدين العكلوك الذى فقد نحو 50 من عائلته فى بيان 8 نوفمبر 2025، منددا بـ«ازدواجية المعايير الدولية» فى التعامل مع جثامين الرهائن الإسرائيليين مقارنة بالإهمال التام لضحايا غزة، معتبرًا ذلك «ظلمًا فادحًا وتحيزًا واضحًا».
وليس أمام تلك المأساة الإنسانية سوى «فتح المعابر أمام الفرق الدولية المتخصصة للمساعدة فى إزالة الركام، وانتشال الجثامين، وتحديد هوياتهم عبر الفحوص العلمية، باعتبار أن إنهاء مأساة المفقودين المدخل الحقيقى لإعادة الحياة إلى غزة التى غمرها الموت» 6، يضيف العكلوك، ويفتح جرحا غائرا بشأن انتهاك القانون الإنسانى الدولى.
وينص القانون الدولى الإنسانى وأحكام اتفاقيات جنيف على ضرورة احترام الجثث وحمايتها فى أثناء النزاعات المسلحة واتخاذ جميع التدابير الممكنة دون إبطاء للبحث عن جثث الموتى وجمعها وإجلائها دون تمييز مجحف. 7
والمسارعة فى تطبيق القانون الدولى ستجنبنا تكرار «أهوال الحرب العالمية الثانية (1939_1945) التى تعد الأكبر بالخسائر فى تاريخ البشرية» 8، فبعد عقود من المأساة لا يزال البحث عن رفات مفقوديها مستمرا، وهناك أكثر من 35 ألف استفسار تتلقاه الرابطة الشعبية الألمانية لمقابر الحرب سنويا، بشأن الرفات. 9
ولم تتوقع إدلا سى أن تحصل على ما قد يدل على شقيقها مرة أخرى، كان يكبرها بعشر سنوات، وقتل عام 1945 وأصبح أسطورة بنظر أخته الصغيرة والآن وهى تبلغ من العمر 86 عامًا، تحمل فى يدها طبعة الختم الذى يُعتقد أنه كان معه عند وفاته، لكن الرابطة تعمل من أجل لحظات كهذه التى تعطى قيمة لجهودها، وفق معلومات لوثائقى بثه تلفزيون دى دبليو الألمانى فى 16 نوفمبر/ تشرين ثان 2024.
ولا تعرف الرابطة إلى أين سينتهى الأمر إذ غالبًا ما يستغرق سنوات قبل أن تنجح فى التحقق من هوية المُتوفى، ووضع اسم على شاهد القبر، ويُصبح للعائلة مكان للذكرى، فى محاولة متكررة لتجميع قطع اللغز الصغيرة، لتكتمل الصورة. 10
فهل يمكن جمع الجثث الفلسطينية لتكتمل النظرة الأخيرة «نظرة الوادع»؟ أم سينتظر العالم عقودا أخرى ليعيد قصة إدلا سى بملامح فلسطينية باحثة عن ذويها وتتمسك بأمل العثور عليهم فى عمر الـ86 وفى يديها صورة وحيدة لهم لم تمزقها أنقاض الحرب أو صواريخ الموت.
سؤال مرير
وهذا يقود لسؤال افتراضى مرير، هل يستطيع صانعو التنبؤات وعلى رأسهم «سيدة التوقعات»، اللبنانية، ليلى عبد اللطيف 11 أن يحسموا مستقبل الجثث الفلسطينية تحت الأنقاض هل سيدفنون حقا كما دفنت الجثث الإسرائيليية أم أن التوقعات حسب الطلب والرائج وأوامر الأبراج؟!
وللإجابة، علينا أن نرى واقع تجارة التوقعات التى تجنى أرباحا وشهرة من غيب مصنوع وزيف ساحر تغذيهما الدهشة والجدل، وهناك سنجد عناوين براقة منها وفاة رئيس إيران... تنبؤات تحققت لـ ليلى عبد اللطيف» 12 بعد «أشهر توقع جعلها فى صدارة مواقع التواصل الاجتماعي» بطلاق الفنانة المصرية ياسمين عبد العزيز من الفنان المصرى أحمد العوضي 13 فى 2024.
وقالت عبد اللطيف فى الحلقة التى بثت فى يوم 31 ديسمبر 2023: «هناك طائرة ستشغل العالم ولن ينجو منها أحد فى الأشهر الأولى من هذه السنة (2024) والعالم سيبقى مع الإعلام تحت الصدمة لمعرفة ظروف وأسباب سقوط هذه الطائرة»، ولم تحدد مكان أو من يستقل الطائرة.
ولم تمر أشهر قليلة ووقع حادث مشابه 14 مع رئيس إيران إبراهيم رئيسى فى 19 مايو/أيار 2024 بعدما تحطمت طائرته أثناء سفرها، وأُعلن عن مقتله، وصار مقطع «سيدة التوقعات» يتداول بكثافة 15 لتنمو تجارتها وإطلالاتها التى تذكر فى بعضها أن ما تتوقعه وأحيانا لا يتحقق مجرد إلهام وأن الله عز وجل وحده المطلع على الغيب، نافية الترويج لمخططات.
والغريب أن تجارة التوقعات لا تستعين بالأحياء فقط، ولكن تلجأ للأموات أيضا، فالعرافة البلغارية الراحلة بابا فانجا، رغم وفاتها عام 1996، لا يزال ينقل الإعلام الغربى والعربى توقعات عنها، مستندا إلى أنها دونت تنبؤاتها حتى عام 5079 باعتباره نهاية العالم! وكان أبرزها ما نقله الموقع الإخبارى يورونيوز فى 2024، من أن «العرافة الراحلة سبق أن توقعت أن نهاية العالم ستبدأ فى عام 2025. وعلى وجه التحديد، ستبدأ بصراع فى أوروبا سيدمر سكان القارة» 16، وهو ما لم يحدث بعد.
ولكن ما حدث فعليا ويكشف عن الوجه المخيف الآخر لتجارة التوقعات القائم على الاحتيال المالي، هو ما أعلنته الشرطة الأسترالية، فى 13 نوفمبر 2025، من إلقاء القبض على امرأة تبلغ من العمر 53 عاماً، «استغلت عملاء ضعفاء من الجالية الفيتنامية بمدينة سيدنى عبر إقناعهم بالحصول على قروض مالية، بناء على تنبؤاتها بوجود ملياردير فى مستقبلهم»، وكانت حصيلة ما جمعته وفق تقدير الشرطة 70 مليون دولار أسترالى (46 مليون دولار). 17
إنها تجارة تنبؤات أيا كانت فى ثوب شهرة مطرز بعناية بالمجهول أو عليه غبار الاحتيال، تضع ظروف الإنسان والبلاد فى عالم يتباهى بقدرات الذكاء الاصطناعى تحت شغف الوصول لحدث ربما يتحقق أو المشاركة فى سباق الوهم هروبا من الواقع كدواء مؤقت، لاسيما فى نهاية كل عام عبر الشاشات أو منصات التواصل.
وقد تكون الاستجابة لتلك التوقعات التى ولدت فى أزمنة لم تعرف التكنولوجيا، ضمن ما يسميه كارل جوستاف يونج (Carl Gustav Jung) وهو واحد من أشهر علماء النفس الذين أنجبتهم أوروبا (اللاوعى الجمعي) Collective unconscious عندما نكرر تجارب وردود أفعال كمثل من سبقونا، أو ضمن فن هندسة العقول أو اختراقها على نحو قريب الشبه بما طرحه الكاتب كريستوفر هادناجى فى كتابه الهندسة الاجتماعية. 18
وإذا كان لا مفر من التوقعات كأبرز أنواع تجارة العصر، فهل يمكن أن تدلنا على نهاية لأزمة الجثث الفلسطينية تحت أنقاض الحرب اللعينة، كما تتنبأ بموت فنان ورئيس وما شابه، أم أن تجارة التنبؤات محظور عليها أن تقترب من تلك المنطقة المحاطة بأسلاك المخاطر.
وعلى أى حال، أنصح تجار التوقعات بالإجابة عن هذا السؤال المرير فى برامج ومنصات الجدل بنهاية هذا العام من باب إثارة تلك القضية الإنسانية لا غير، ربما العالم ينتبه لصرخات ذوى ضحايا الأنقاض.
فالصرخات أحيانا دواء، كما بقيت صرخة الفنان المصرى الكبير الراحل أحمد زكى فى فيلمه «ضد الحكومة» 19، فى وجداننا، وليسمح لى من صاغ هذا المشهد وألقاه وقدمه لنا أن أنهى كلماتى بهذه الصرخة مع تعديل واجب لعلنا نكون جميعا سببا فى دفن كريم لمظلومى النهاية تحت الأنقاض الفلسطينية.
أيها العالم: هناك فلسطينيون سحقوا دون أن يهتز لنا جفن ورفاتهم تحت أنقاض غزة ولم يدفنوا بعد كمثل الجثث الإسرائيلية وهذه جريمة كبرى، كلنا فيها مشاركون لا أستثنى أحدا ولو بالصمت العاجز قليل الحيلة.
ليست لى سابق معرفة بالشخوص الذين أطالب باستخراج رفاتهم ودفنهم بأرضهم فلسطين، ولكن لدى مستقبل للإنسانية أريد أن أحميه، لا تجارة فيه بالأذهان ولا الجثث ولا مقامرة فيه بالحياة ولا الممات.
هل هذا كثير؟ أليس من تحت أنقاض غزة بشرا مثلنا ! أليس من حقهم أن يدفنوا وتلقى النظرة الأخيرة عليهم مثلما يفعل باقى البشر !
يا ضمائر العالم.. أنا ومعى المستقبل كله نلوذ بكم، ونلجأ إليكم .. فاغيثوا بشرا مظلوما ولو كانوا موتى أو رفات، أغيثوا الإنسانية لتربح معركتها ولا نرى طوفان حرب جديدة !
----------------------------------------------------------------------------------
(1) https://www.aldiwan.net/poem100896.html
(2) المصدر نفسه
(3) https://alwasat.ly/news/arabic/494682
(5)https://www.youtube.com/watch?v=wXq8_21Hjl4
(6) https://shehabnews.com/p/146698
(7) https://www.icrc.org/sites/default/files/document/file_list/200568_ar_respect_for_and_protection_of_the_deadl_ar_revised_clean_version.pdf
(8) https://www.dw.com/ar/%D9%88%D8%B3%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%AA-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AB%D9%88%D8%B1-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%AA-%D8%AC%D9%86%D9%88%D8%AF-%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D9%88%D9%83%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7/a-65493090
(9) https://www.youtube.com/watch?v=1fh2mymBfS0
(10) المصدر نفسه
(11) https://x.com/leilaabedlatif?lang=ar
(12) https://www.elaosboa.com/1762534/
(13) https://www.youtube.com/watch?v=cZBAEOgKPTE
(14) https://www.youtube.com/watch?v=VFMo3747qEM&t=30s
(15) https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2024/05/20/reactions-laila-abdulatif-predicitions-raisi-killed
(16) https://www.facebook.com/ar.euronews/posts/%D9%83%D8%B4%D9%81%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%87%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%A1-%D8%A8%D8%A7%D8%A8%D8%A7-%D9%81%D8%A7%D9%86%D8%AC%D8%A7-%D8%A3%D9%86-%D9%86%D9%87%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%B3%D8%AA%D8%A8%D8%AF%D8%A3-%D9%81%D9%8A-%D8%B9%D8%A7%D9%85-2025-%D9%88%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%88/880810280738192/
(17) https://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7/5208314-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A8%D8%B6-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D8%AC%D9%85%D8%B9%D8%AA-46-%D9%85%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%86-%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%B1-%D8%B9%D8%A8%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D9%84
(18) https://ddl.ae/book/3170635
(19) https://www.facebook.com/watch/?v=910405549597539