حاولت فى المقالين السابقين 56، 57 التعرض بجرأة محسوبة لمنهجية مصر فى ملف استرداد الآثار من الخارج (وهو ملف شائك جدا سياسيا، وقانونيا، ودبلوماسيا)، ومع ذلك لا تتوانى فيه وزارة الثقافة والمجلس الأعلى للأثار منذ 2003 عن اتخاذ خطوات جادة لتفعيل حق الاسترداد المصري، فى إطار البيئة القانونية الحالية وتوجهات الدولة لتصاعدية ممارسة حقها للمطالبة القانونية. غير أن تقييم هذه الخطوات يلزمه تدبر مبدأين أساسيين (أ) أن البحث يمكنه التنبؤ بالمستقبل، ولكن ليس كل الناس تحب الحقيقة (ب) أن الشر والضعف يبدآن بتوقف الإنسان عن التفكير وتحوله إلى ترس، فبتوقف الأشخاص العاديين عن التفكير وطاعتهم للأوامر وتطبيق القانون بلا وعي، يذوبون بداخل الآلة البيروقراطية، بدون التساؤل ماذا نفعل ولماذا؟ لتكون النتيجة هى التعايش مع الضغوط الدولية ورفض الرد وخسارة استعادة الحق، وارتكاب أعظم جريمة قد يرتكبها الانسان – كما قررت المفكرة الألمانية حنة آرنت – “أن يستسلم للتفكير الجاهز”.
من هنا بدأت محاولتى للتأصيل التاريخي/ القانونى لمفهوم تصميم إستراتيجية قانونية مصرية جديدة لاسترداد الآثار المصرية من الخارج، يؤسس على حتمية التفرقة بين الآثار التى خرجت من مصر قبل استقلالها 1956، وتلك التى خرجت بعدها. لذلك تظهر أهمية تحليل أركان البيئة القانونية والنظامية والتشريعية الحاكمة لخروج الآثار قبل 1956. (وهى مرجعية الدول الأجنبية لتبرير تملكها للآثار المصرية، باعتمادها “لمشروعية تاريخية شكلية” مبنية على قوانين داخليـة وبيئة سياسية مختلّة قبل 1956، ولكنها تفتقر للمشروعية السيادية أو الأخلاقية). تم خروج آثار تلك المرحلة مع غياب السيادة الكاملة، وتمت وفق أنظمة كنظام التقسيم، وقانون الآثار 1912، وأوامر عليا لحكّام غير ممثلين لإرادة الشعب، وفى زمن لم تكن مصر طرفًا متكافئًا دوليًا أمام الدول الحائزة، ليكون الإطار الحاكم قبل الاستقلال (بغياب مفهوم سردية الاستحقاق والكرامة الوطنية المصرية) هو مظلومية ثقافية ناتجة عن الاستعمار والاحتلال وتواطؤ النخب الأجنبية.
هذه المعالجة تختلف عن كيفية خروج الآثار بعد 1956 مع وجود دولة ذات سيادة معترف بها دوليًا، بافتراض مصرية الآليات الإدارية والقانونية. كم من خروج تم بالتهريب، البيع غير المشروع، النهب، الإهمال الإداري، أو فترات الضعف السياسى. هنا تظهر أهمية التفرقة لتجنيب مصر تناقض خطابها القانونى الجديد لما يخص الآثار التى خرجت قبل الاستقلال (وأشهرها حجر رشيد، رأس نفرتيتي، الزودياك، تيجان الكرنك، تمثال حم إينو، المسلات المصرية وغيرها كثير ونفيس)، فتعطى لها مرونة تعدد المسارات القانونية (بالطعن فى الماضى كمظلومية سيادية، والمواجهة الحديثة كسلوك جنائى أو تهريبي).
الأخطر بحثيا هو الرصد الواقعى والقانونى لأسباب ومرجعيات شرعنة الأجانب للاستيلاء على الآثار قبل 1956 مثل؛ غياب الرقابة المصرية الفعلية؛ بتحول البعثات الأجنبية لسلطات مستقلة داخل مواقع الحفائر، ضعف جهاز التفتيش أو تساهل الإدارات مع المنقّبين – بل أحيانًا ببيع مباشر أو سكوت، غياب فهم الدولة ان الآثار “ملكية عامة للشعب” واعتبارها أشياء قابلة للبيع أو الإهداء أو التقسيم، وكله تحت قوة القناصل الأجانب لممارسة نفوذ واسع لدعم بعثاتهم وحماية المصالح الأثرية الأوروبية. وهذا ما جعل الدول والجهات الأجنبية (مع وجود نظام التقاسم وقانون 1912 وقرارات المنح أو الهدايا)، يتخذونها كمرجعية قانونية – كسند للتملك، مع وثائق تصدرها بعثات التنقيب رغم افتقارها للسيادة أو موافقة الدولة - لإضفاء “مشروعية شكلية” لخروج القطع، باعتبارها ناتجة عن نظام رسمى معتمد، تستغله الدول والمتاحف العالمية لتبرير أن “الاستحواذ” جرى قبل وجود المعايير الحديثة.
من هنا يتجلى اهمية التفرقة فى النهج المقترح لإعادة النظر بإستراتيجية استرداد آثار ما قبل 1956، بفضح البيئة السياسية والقانونية والإدارية الخارجة فيها، وإثبات غياب الإرادة الوطنية، وتأصيل مبدأ “عدم شرعية التصرف فى الممتلك العام تحت الاحتلال أو ضعف السيادة”. ولإثبات هذا الإطار، يكفى مراجعة استقرار صناعة القرار بيد الأجانب من 1858 – 1956، سواء برئاسة مصلحة الآثار المصرية (7 رؤساء) من أوجست مارييت لإتيين دريوتون (1936 – 1952)، أو بنظام التفتيش (حرص مارييت وخلفاؤه على استقدام مساعدين أوروبيين ومنعوا تدريب المصريين. فكان هوارد كارتر مفتشًا لمنطقة صعيد مصر 1899 كتوصية ماسبيرو، جيمس كويبل وآرثر ويجال كمفتشين أوائل القرن العشرين للإشراف بمناطق مهمة مثل طيبة والجيزة، ريجِنالد إنجلباخ كمفتش ثم كبير مفتشى الوجه القبلى بعشرينات القرن العشرين). ومع ذلك يوثق التاريخ دورا محدودا للجانب المصرى ممثلا فى أحمد كمال باشا (1851–1923)، فيصف المؤرخون لجنة 1881 لكشف خبيئة الدير البحرى بأن كامل أفرادها كانوا أجانب عدا أحمد كمال، مما يبرز انفراد الأجانب بالقرار حتى بالمهام الميدانية المهمة.
لم يقف الوضع عند ما سبق، وامتد لآلية منح التراخيص، فكانت البعثات الأوروبية تحصل على إذن الحفر من المصلحة المُدارة بالفرنسيين! ليتصدّر المسؤولون الأجانب منح التراخيص. فبجانب المدير العام، هناك أمين لجنة الدائرة أو وكيل المصلحة (جميعهم أجانب) يقومون بمراجعة طلبات البعثات، كجاستون كاميل ليفى (فرنسي) سكرتير المصلحة أوائل القرن 20 المساهم بترتيب التراخيص، والمفتش العام ريجنالد إنجلباخ (بريطاني) مسؤول تقارير كفاءة البعثات قبل تجديد تراخيصها.
أما نظام التقاسم فكان جزءًا أساسيًا من سياسة التنقيب طوال الفترة الاستعمارية. فبعد انتهاء أى بعثة من الحفر، تُعرض المكتشفات على لجنة تقسيم لتوزيعها مناصفة بين الجانب المصرى والأجنبى. يرأس هذه اللجان مفتش الآثار المختص، ومدير المتحف أو مندوبه، وأحيانًا ممثل عن البعثة الأجنبية. وبحكم تركيبة الوظائف، فرئيس اللجنة دائمًا أجنبى قبل الخمسينيات (لأنه المفتش المسؤول)، كذلك مندوب المتحف لعقود طويلة كان أجنبيًا (حيث شغل الأوروبيون منصب أمين المتحف المصرى لمنتصف القرن 20). سيطر الأجانب عمليًا على قرارات تلك اللجان المقررة لأى القطع تذهب للمتحف وأيها تُمنح للبعثة! وبنظرة إحصائية يثبت أن خلال 98 عامًا من 1858 حتى 1956 تعاقب 9 مديرين للمصلحة8 أجانب مقابل 1 مصري! هيئة التفتيش والحفريات قبل 1920 كانت قرابة %100 أجانب! تصاريح التنقيب، جميعها تصدر بتوقيع أجنبى حتى 1952! لجان التقاسم لم يترأسها مصرى قبل الخمسينيات، وعند حضور مصريين كمراقبين (بنهاية عهد الرئيس لاسجو)، ظلّت القرارات النهائية بيد الرئيس الأجنبي! وعليه يمكن القول إن نسبة الأجانب بعضوية ورئاسة لجان التقاسم كانت قرابة %100 حتى 1950.
من خلال ما سبق يمكن الحسم بأن البيئة القانونية المصرية قبل 1956 كانت ترجمة واقعية لرمزية تمثال شامبليون، بالهيمنة الأجنبية الكاملة (1858–1922) على رأس الإرادة المصرية، من تأسيس مصلحة الآثار بإدارة مارييت وحتى إعلان استقلال مصر (اسميًا) عن بريطانيا، كاستئثار أوروبى مطلق بالقرارات الأثرية. فالأجانب يقررون أين تُنقّب البعثات وما يُعرض بالمتحف وما يُرسل للخارج، فخرجت كميات ضخمة من الآثار لمتاحف أوروبا وأمريكا بنظام الامتيازات والقسمة المُهندس فرنسيا، بدون دور مصرى إلا كشهود أو موظفين صغار، لتترسّخ وقتها النظرة الاستعمارية الشامبليونية لمصر وآثارها بوصفها إرثًا عالميًا تُشرف عليه قوى غربية “لحمايته”!
واقعيا لن تستطيع مصر الجديدة 2025 اختراق السردية القانونية الأجنبية للاستيلاء على آثارها بفلسفة رمزية حذاء شامبليون، ورفعه، بدون استيعاب حتمية تفكيكها للمنهجية القانو-تاريخية المستندة لها هذه السردية الحذائية. مصر مؤهلة تماما الآن لهذا التفكيك الواعى المُعيد لتقديم صورتها الذهنية الحديثة، بتصميمها إستراتيجية قانونية جديدة بالاستحقاق التاريخى والسيادي، نزع المشروعية عن الأنظمة الاستعمارية، وربط المطالبة الأثرية بكرامة الدولة.
إستراتيجية تُثمن الحق فى التصحيح التاريخى للماضي، بقوة الحاضر، لاستحضار مستقبل قابل للتحقيق. فمصر 2025 لا تطلب استرداد آثارها فقط، بل تطالب بتصحيح التاريخ. وكما ذكرت، بالبحث يمكن التنبؤ بالمستقبل، ولكن ليس كل البارتولديين/ الناس تحب الحقيقة! ولكن الله غالب ومصر كذلك!
* محامى وكاتب مصرى