فى القارة التى يعيش فيها أكثر من مليار نسمة، ما يزال الوصول إلى الإنترنت رفاهية لا يقدر عليها الجميع. ورغم أن العالم يتجه إلى سرعات “التيرا بت” وأحلام الجيل السادس، فإن ملايين الأفارقة ما زالوا يقفون عند أولى درجات السلم؛ لا لأنهم غير راغبين، بل لأن البنية التحتية التقليدية باهظة التكلفة، صُمِّمت لعالم مختلف تمامًا.
الحقيقة أن المشكلة ليست فى التكنولوجيا ذاتها، بل فى النموذج. فمعظم أنظمة الاتصالات الحالية تعتمد على مراكز مركزية ضخمة، تكلف ملايين الدولارات، وتحتاج شبكات طويلة معقدة.
النتيجة؟ دولة كاملة بها ملايين البشر قد لا تملك سوى آلاف الخطوط العاملة أو نقاط اتصال محدودة.
هنا يظهر الطرح الذى أتبناه كحل حقيقى وهو نموذج مختلف تماما عبارة عن :
شبكة موزعة تعتمد على وحدات صغيرة، تعمل كوحدات “ترانزيت” تنقل الإشارة من مستخدم لآخر. تشبه كثيرًا طريقة تبادل الملفات بين الأجهزة، حيث يصبح جهاز المستخدم نفسه جزءًا من الشبكة، يرسل ويستقبل ويعيد توزيع البيانات.
الفكرة بسيطة، لكنها ثورية.
بدلًا من برج اتصالات واحد يساوى ملايين، يمكن بناء شبكة تغطى بلدة كاملة بأقل من ألف دولار. وحدات صغيرة الحجم، يُثبَّت بعضها فوق أسطح المنازل، بينما يعمل “العقل المركزي” للبلدة عبر جهاز “بلوك تشين” منخفض التكلفة يمكن وضعه فى متجر أو مدرسة مقابل نسبة من الربح.
هذا النموذج لا يعتمد على مكالمات تقليدية ولا بروتوكولات مرهقة، بل على بيانات خفيفة تعمل بكفاءة داخل نطاق البلدة. وإذا خرج المستخدم من “جزيرته”، يفقد الاتصال—وهى ليست مشكلة، بل جزء من التصميم الذى يجعل التكلفة منخفضة والسرعة مستقرة.
الفلسفة التى تقف خلف هذا النموذج لا تتعلق بالتكنولوجيا فقط، بل بالعدالة الرقمية.
القارة التى ينظر إليها كـ”سوق” فى الخطاب الغربى هى فى الحقيقة قارة مليئة بالطموح. الناس هناك يريدون التعليم، العمل، التجارة، والاتصال ببقية العالم، لكنهم يتركون خارج السباق لأن تكلفة الدخول عالية للغاية.
الابتكار الحقيقى هنا أنه لأول مرة يصبح الإنترنت مشروعا اجتماعيا قبل أن يكون تجاريا. مشروع يستطيع أن يمنح المطرقة لمن لا يملك سوى الرغبة، وأن يفتح نافذة واسعة أمام سكان المناطق الأكثر تهميشا… بتكلفة لا تتجاوز ثمن هاتف متوسط.
إنها ليست مجرد شبكة…
إنها بداية إعادة توزيع للفرص.
وما يحدث اليوم فى بعض المدن والقرى قد يكون بداية لتحول كامل فى مستقبل الاتصالات فى العالم النامي.
* مخترع «الواى فاى السريع» وخبير تكنولوجيا الاتصالات