“مصر؛ بلد الحضارة والتاريخ، بلد السلام والمحبة، وأدعوكم للاستمتاع بهذه الاحتفالية وأن تجعلوا من هذا المتحف منبرًا للحوار، ومقصدًا للمعرفة، وملتقى للإنسانية، ومنارة لكل من يحب الحياة، ويؤمن بقيمة الإنسان” هكذا ختم الرئيس عبد الفتاح السيسى كلمته التاريخية فى افتتاح المتحف المصرى الكبير نوفمبر 2025، فى رسالة عالمية تضع - فى تقديرى – إطارا جديدا لعلاقة حضارة وتاريخ مصر بالعالم، أركانه الحوار، والمعرفة، والإيمان بقيمة الإنسان. ومن هذه الأركان، يمكن لمصر تطوير خطابها الدولى للسردية التاريخية السياسية القانونية لمنهجية استعادة الآثار المصرية من الخارج.
ولفهم فكرة الإطار الجديد بأركانه، نعيد استحضار مفهوم الجمهورية الفرنسية فى عصر نابليون لترسيم نفسها «كوريثة للحضارة العالمية المنطلقة من مصر»، حيث كان إنجاز شامبليون فى فك الهيروغليفية بمثابة تبرير لهذا الادعاء! أى إنّ إنجاز شامبليون لم يُنظر إليه باعتباره فَكًّا لأحد أنظمة الكتابة العريقة فقط، بل كخطوة قامت بتعزيز رواية تزعّم فيها الغرب امتلاكه للحضارة المصرية وتراثها. هذا السرد الاستشراقى يجسده بوضوح تمثال شامبليون 1875 بالكوليج دى فرانس، حيث يُظهر الغربى مُفكّرًا مُسيطرًا على رأس ملكى قديم، متفوقًا تقنيًا وفكريًا! انعكس هذا التجسيد لرمزية شامبليون فى التعامل مع الآثار المصرية منذ عهد محمد على وحتى استقلال مصر من الاستعمار الإنجليزى 1956، بغياب اعتبار الغرب لأى موضوعية فى الحوار، والمعرفة الحقيقية بحق مصر فى آثارها، وهدر كامل لقيمة المصرى فى تمسكه بكرامته وأحقيته فيما نُهب من آثاره وحضارته وتاريخه.
خضعت مصر لثلاثة أنواع مختلفة من السيطرة الأجنبية: سيادة إمبراطورية عثمانية ذات طابع سياسى مركزى لا ترقى إلى مفهوم الاستعمار، واحتلال عسكرى فرنسى قصير الأمد لا ينعقد معه وصف الاستعمار، ثم استعمار واحتلال بريطانى مزدوج ابتلع إرادة الدولة ومارس السيطرة السياسية والاقتصادية على مصر لمدة تقارب ثلاثة أرباع قرن! نعم، كانت مصر مستحقة ولها استحقاق قانونى أصيل على جميع آثارها التى خرجت أثناء الاحتلال الفرنسى والاستعمار البريطاني؛ لكن القوة العسكرية والنفوذ السياسى عطّلا ممارسة هذا الاستحقاق، ولم يلغياه. وبالتالي، فإن خروج تلك الآثار يعتبر قانونيًا خروجًا غير مشروع (Illicit) وغير مستند إلى إرادة حرة للدولة المصرية. خاصة أن فرنسا تعاملت مع الآثار المصرية كغنائم حرب، ممتلكات مهزومة، ومصادر علمية لفرنسا، أما بريطانيا المستعمرة ولو لم تعتبر نفسها مالكة للآثار المصرية، فإنها سيطرت على القرارات والقوانين، ضغطت لتمكين البعثات الأوروبية، تبنت نظام “تقسيم الآثار” (Partage) الذى يسمح للمكتشف الأجنبى بأخذ نصف أو أكثر مما يكتشفه، وضغطت سياسياً لتمكين مصلحة الآثار التى كان يديرها أجانب مثل “مارييت” ومساواة الأجانب بالسلطة، والسماح بتهريب آلاف القطع “رسميًا”، ومنع مصر من إصدار قوانين أكثر صرامة.
من هنا يلزم فهم خلفيات موانع السردية المصرية الحالية فى مطالبتها بآثارها المنهوبة كالتالى (1) الهيمنة الأوروبية على السردية الأثرية العالمية (خاصة فرنسا وبريطانيا) منذ القرن 19، وفرض مفاهيم مثل “الاقتناء المشروع” و”الملكية المتحفية” مقابل السرديات الوطنية (2) التحالفات السياسية والاقتصادية الدولية الحساسة (تبادل مصالح عسكرية–اقتصادية) تجعل بعض الحكومات المصرية حذرة من إثارة ملفات حساسة قد تؤدى لتوتر مع الدول الحائزة للآثار (3) قوة المتاحف الأجنبية الكبرى كجهات ضغط دولى (اللوفر، المتحف البريطاني، برلين، إلخ)، وامتلاكها أدوات قانونية ودعائية للتقليل من مشروعية المطالبات المصرية (4) التذرع الدولى بمرور الزمن ومشروعية نظام التقسيم السابق لعام 1914، كذريعة قانونية لإغلاق باب النقاش حول القطع التى خرجت قبل معاهدة اليونسكو 1970 (5) ضعف موقف مصر التاريخى فى توثيق مسارات الخروج للقطع الأثرية، ما يُضعف مركزها القانونى أمام المحاكم أو الهيئات الدولية (6) الخشية من فتح باب مطالبات متبادلة أو موازية من دول أخرى، مما قد يعقّد العلاقات داخل هيئات مثل اليونسكو أو بين دول الاتحاد الأوروبى.
تمتزج الموانع السابقة مع البيئة القانونية التشريعية المصرية فيما قبل الاستقلال 1956 واتفاقية اليونسكو 1970، واثرت بحسم مع مفهوم الرمزية الشامبليونية فى صياغة أسباب ضعف المطالبة المصرية بأثارها المنهوبة من (1) اعتماد خطاب قانونى تقليدى غير تطوري، يرتكز على مفاهيم الحيازة والملكية، دون تبنّى خطاب “الاستحقاق” و”نزع المشروعية التاريخية” عن الفترات الاستعمارية (2) غياب إستراتيجية وطنية موحدة ومتكاملة (قانونية – دبلوماسية – إعلامية) لاسترداد الآثار، واكتفاء بتحركات فردية أو ملفات مجزأة لكل قطعة (3) ضعف الاستثمار فى التوثيق الفنى والقانونى المعمّق، ما جعل الملفات المقدمة دوليًا غير ناضجة أو غير مقنعة قضائيًا (4) تأثير بعض النخب الأكاديمية أو الإدارية ذات الولاء للسردية الغربية، أو المترددة فى تبنّى خطاب صدامى أو جذرى يطعن فى أنظمة التقسيم القديمة (5) التخوف من تصعيد قضية تمثال شامبليون كمثال خشية الإحراج الدبلوماسى أو إثارة الجدل الإعلامى (6) تضارب المصالح التجارية مع بيوت مزادات أو مؤسسات ثقافية دولية (7) ضعف التنسيق بين الجهات المعنية داخل الدولة (الآثار، الخارجية، الثقافة، الرئاسة)، مما يترك ثغرات فى أداء الملف دوليًا.
على الصعيد القانونى الرسمي، تركزت نقاط الضعف فى المطالبة المصرية باسترداد الآثار فى (1) الاعتماد الزائد على الطعن فى مشروعية التصاريح فقط دون نقض شامل للمنظومة القانونية التى سمحت بالخروج مثل قانون 1912 أو لجان التقسيم (2) عدم الطعن الرسمى فى شرعية نظام التقسيم التاريخى للآثار بطلب ابطاله باعتباره نظامًا استعماريًا تم فرضه أثناء غياب السيادة، رغم كونه الأصل الذى خرجت بموجبه غالبية القطع الأثرية (3) الصمت عن أثر الاحتلال على السيادة القانونية لمصر قبل 1956 وأن أى تصرف فى الآثار خلال الاحتلال البريطانى كان يتم فى بيئة لا تُمكن الدولة المصرية من ممارسة إرادتها القانونية الحرة (4) الاعتماد شبه الكامل على اتفاقية اليونسكو 1970 رغم عدم سريانها بأثر رجعي، ما يجعل التمسك بها وحدها غير كافٍ لاسترداد القطع التى خرجت قبل دخول الاتفاقية حيز التنفيذ(5) الافتقار لسردية قانونية–سيادية بديلة بخطاب قانونى وسيادى يربط بين كرامة الدولة المستقلة بعد 1956 وبين استحقاقها للمطالبة بممتلكاتها المنهوبة مع غياب السيادة (6) عدم توظيف حالات المثل الدولية لدول استعادت آثارها رغم مرور فترات زمنية طويلة (مثل نيجيريا، اليونان، العراق)، ما يُضعف الحجة ويعزل مصر قانونيًا (7) الاعتماد على المكاتبات البروتوكولية الضعيفة دون تحريك دعاوى قانونية أو مبادرات شعبية–دولية ذات طابع تصعيدى أو ضاغط (8) انفصال المسار القانونى عن الرمزي–السيادى بعدم ربط الحكومة بين قضايا مثل «تمثال شامبليون» وبين فقدان الهيبة القانونية والسيادية، ما يفقد المطالبة بعدها الرمزى والأخلاقى (9) عدم الدفع بالعرف الدولى أو مبدأ “الاسترداد العادل” فى ظل تغيّر الأخلاقيات الدولية المتعلقة بالممتلكات الثقافية للشعوب المستعمَرة (10) عدم مراجعة تصرفات محمد على وأسرته فى مشروعية الهدايا والمنح التى أصدروها للأجانب، والتى كانت أصلًا فى ظل غياب سيادة وطنية واستئثار فردى بالحكم.
من واقع كل ما سبق، يمكن الفهم والتأسيس الإيجابى لإطار رسالة الرئيس السيسى فى كلمته، لإمكانية إعادة صياغة حق وأحقية واستحقاق مصر فى مطالبتها باسترداد آثارها من الخارج! وهو ما سنتعرض له لاحقا فى مقترح الإستراتيجية المصرية للسردية التاريخية السياسية القانونية لمنهجية استعادة الآثار المصرية.
* محامى وكاتب مصرى