خواطر مواطن مهموم 319

أقول إن هذا المشروع كارثة لأنه ترك وسيترك آثارا عميقة فى نفوس كل الدول

توفيق اكليمندوس

زوبعة حول ستيف ويتكوف 

أكتب هذا المقال يوم الخميس بعد الظهر.

ضمن ستيف ويتكوف لنفسه مكانا فى سجلات التاريخ بعد تحقيقه لإنجازات فى الشرق الأوسط - قد تعجبنا أو لا- وبعد تسببه فى كارثة مشروع اتفاق بين روسيا وأوكرانيا يتلخص فى كونه تسليمًا بأغلب مطالب روسيا وأغلبها مجنون وغير شرعى، إذ ينص الاتفاق على قيام أوكرانيا بتسليم أراضٍ ما زالت تحت سيطرتها وهى مواقع إستراتيجية محصنة فشلت روسيا فى الاستيلاء عليها وبتحجيم جيشها وبحرمانها أنواعا من الأسلحة وبفرض الروسية لغة رسمية (تخيلوا لو مشروع اتفاق طلب من مصر فرض العبرية لغة رسمية!) وبتعهد الناتو بعدم ضم أوكرانيا للناتو وبقيام أوكرانيا بتعديل دستورها ليحرم السعى إلى هذا الانضمام، وأشياء أخرى من هذا القبيل.

أقول إن هذا المشروع كارثة لأنه ترك وسيترك آثارا عميقة فى نفوس كل الدول التى اعتمدت أو تعتمد على ضمانات أمريكية، فى كل مسارح وأقاليم المعمورة.

وبعدها بأيام نشرت وكالة بلومبرج نص تفريغ مكالمة تليفونية بين ويتكوف والمستشار الدبلوماسى للرئيس بوتين، مشاعر الود ودفئ العلاقة أمور غير عادية، وفى هذه المكالمة يقدم ويتكوف نصيحة للرئيس بوتين فى كيفية مخاطبة الرئيس ترامب. لا أريد ولا أستطيع أن أحدد هل هذه النصيحة لرئيس دولة أجنبية - ومعادية حتى لو لم يقتنع البيت الأبيض بهذا- خروج عن المألوف أم لا، ولكن توقيت المكالمة يدين ويتكوف... هذه النصيحة سمحت للكرملين بنيل استبعاد ترامب لفكرة بيع صواريخ توماهوك لأوكرانيا. أقتبس هذه الملاحظة من مقال نشر على موقع ذى أطلنطك.

وكثرت التكهنات حول القائم بالتسريب، من الواضح أولا أنه جهاز استخبارى قادر على الاستماع إلى مكالمات على خطوط مؤمنة، ومن الواضح ثانيا أن الروس لا مصلحة لهم فى “حرق” ويتكوف، التسريب إما أوكرانى وإما أوروبى وإما أمريكى، فهناك فى الدولة الأمريكية وحتى فى البيت الأبيض من لا يرتاح إلى سياسات الرئيس ترامب.

السؤال الذى شغلنى الأيام الماضية هو “كيف كان هذا ممكنا؟”، ما الذى يفسر التفاوت الواضح بين النجاح النسبى لويتكوف فى منطقة الشرق الأوسط وأدائه الكارثى فى أوروبا الشرقية؟ قرأت العديد من المقالات والتفسيرات. بعضها يركز على توجهات الرئيس ومبعوثه أو أحدهما وأولوياتهما، والبعض الآخر يتحدث عن عدم مهنية المبعوث فهو ليس دبلوماسيا وليس خبيرا، وبعض ثالث يركز على خلل فى أساليب عمل الإدارة الأمريكية، خلل لم يتسبب فى مشكلات فى إقليمنا ولكنه أدى إلى كارثة فى أوروبا الشرقية.

هناك من يقول إن الرئيس وويتكوف منحازان بوضوح للرئيس بوتين، وأن خلفيتهما المهنية المشتركة - كمقاولين وعاملين فى السوق العقارية- جعلتهم يحتكون مبكرا ويرتبطون ارتباطا وثيقا بالنخب الروسية وأفرادها الذين يشترون شققا ومبانى فى نيويورك، وأن أولوياتهما تتلخص فى تطبيع العلاقات مع روسيا أيا كان الثمن، للتعاون معها فى مجال الموارد الطبيعية واستغلال المحيط الشمالى أو فى إعادة التعمير - وهنا نرى شبهة تداخل الصالح الشخصى والصالح العام، وأنهما لا يعيران أى اهتمام للتبعات السياسية والإستراتيجية والأمنية لهزيمة أوكرانيا أو لقيامهما بخيانتها وتسليمها لروسيا. 

هناك من يرى أن المشكلة فى تصور ويتكوف أن فن إدارة المفاوضات واحد أيا كان المجال - السياسة أو المقاولات- وأنه يعمل منفردا أو مع مجموعة ضيقة للغاية من المعاونين، وأنه لا يفهم آليات عمل الروس وتكتيكاتهم، وأنه فى أحوال كثيرة يرتكب أخطاء هواة.

وهناك من يرى أن أساليب عمل الإدارة الأمريكية تعانى من خلل، ليس من الواضح ما مهمة ويتكوف - التطبيع مع روسيا وتنظيم التعاون معها أو حل مشكلة الحرب، أو الاثنين معا، وإن كانت حل مشكلة الحرب فلا يوجد وسيط فى العالم يكلم طرفا دون الآخر، وأيا كانت هذه المهمة فإنه لا يستطيع القيام بها بفريق صغير وباستبعاد مؤسسات الدولة.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية