يهدف هذا المقال - مع باقى سلسلته - لتحرى إمكانية تطوير السردية التاريخية السياسية القانونية لمنهجية استعادة الآثار المصرية من الخارج. قد يبدو هدفا طموحا زيادة! خاصة مع جهود وزارة الثقافة والمجلس الأعلى للآثار منذ 2003 بحملة دولية لاستعادة الآثار المصرية السابق خروجها بطرق غير مشروعة، وقرار وزير الثقافة رقم 2802 لسنة 2007 بتشكيل اللجنة القومية لاسترداد الآثار المصرية، وكللت جهودها باستعادة بعض القطع الأثرية المهمة، وتعديلات قانون الآثار، واستكمال المحاولات الرسمية لاستعادة رأس نفرتيتى من متحف برلين الرافض حتى الآن.
فى رحلة بحثى عن قانونيات حق مصر (وليس أدبيتها أو منظورها الأخلاقي)، لطلب إقصاء تمثال أوجست بارتولدى، لشامبليون 1875 من الكوليج دى فرانس داعسا رأس الملك المصرى القديم، تلمست علاقات وروابط غير منظورة بين رمزية التمثال المذكور وفشل محاولات إزالته من نوفمبر 2012، وبين ضعف السردية القانونية المصرية الحالية لاستعادة آثارها من الخارج، وبين افتتاح المتحف المصرى الكبير الجديد نوفمبر 2025، وبين المركز العسكرى، السياسى، الدولى لمصر منذ 2014 حتى 2025. لتأصيل بحث هذه العلاقات، راجعت عدة مصادر متاحة على الإنترنت (أ) مذكرة وزير الثقافة- رئيس المجلس الأعلى للآثار للعرض على رئيس مجلس الوزراء، (ب) طلب استرداد آثار مصرية //مسودة للمناقشة من المستشار القانونى للوزير// من وزارة الثقافة/المجلس الأعلى للآثار، لجمهورية ألمانيا الاتحادية بخصوص رأس نفرتيتى، (ج) بحث قيم للدكتور حسين دقيل بمنشورات المعهد المصرى للدراسات عن قوانين الآثار المصرية وشرعنة التهريب للخارج (د) كتاب سرقات مشروعة للأستاذ أشرف العشماوى المستشار القانونى الأسبق لوزير الثقافة(ه) منشورات الغضب البريطانى بوسائل التواصل من 2 نوفمبر 2025 ضد التصريحات المصرية باسترداد آثارها المنهوبة ومنها حجر رشيد بعد افتتاح المتحف المصرى الكبير! وأهيب بالقارئ الكريم - لو مهتم - مراجعة تلك المصادر لعدم تكرار المعلومات أو اعتبار المقال إضافة لتنويعة جديدة على لحن المطالبة المصرية المتعثر حتى الآن!
أثار بحثى فى الخمسة مصادر - والكثير غيرها - بلورة حزمة أسئلة حول العلاقات والروابط غير المنظورة بين “رمزية تمثال شامبليون” وبين حق مصر فى استرداد آثارها، يكمن أساسها فى العلاقة بين مفاهيم وتطبيقات (الحق والاستحقاق والأحقية والمطالبة)! فى تقديرى الخاص أن أزمة استرداد مصر لآثارها المنهوبة مرتبطة بحتمية تفكيك المعطيات التالية؛ غياب مفهوم “الاستحقاق” التاريخى والسيادى لمصر/ السياق السياسي-القانونى للحظة خروج الأثر/ ضعف التأصيل بمفاهيم الكرامة الثقافية والسيادة الرمزية/ التركيز المفرط على الجوانب الإجرائية والمطالبة فى إطار البيئة القانونية لخروج الآثار من مصر إبان العهد العثمانى والاحتلال الفرنسى والاستعمار الإنجليزي/ تسليم مصر بنظام التقاسم والصفة القانونية لمُصدر الترخيص/ دور الاحتلال والاستعمار فى الانتقاص من الإرادة الحرة للدولة/ سردية المتحف العالمى التى يتبناها الغرب/ التشكيك فى جدارة مصر بحفظ وصيانة الآثار المستردة/ ربط الدول الحائزة ملف استرداد الآثار بالملفات العسكرية والتعليمية والاقتصادية/ التقادم الزمني/ ضعف الوثائق.
كل ذلك، يلزم تحليله وفهمه فى إطار سردية أن الحق فى الآثار هو حق سيادى أصيل، غير قابل للتصرف، وتأكيده لا يتوقف على صدور معاهدات لاحقة، لكن هذا الحق تعطل بفعل موانع الاستعمار، ثم تبلد الخطاب الرسمى، وتردد النخبة القانونية والتشريعات المتعاقبة لتصنيفه كحق قابل للمساءلة الدولية، ثم تعقد وتشابك المصالح الدولية والضغوط الدبلوماسية، لاستغلال الغرب لسردية قانونية أساسية شرعنت خروج/ تهريب الآثار فى غياب الإرادة المصرية الحرة كصاحبة حق سيادى أصيل فى آثارها وممتلكاتها. تعرضت مصر منذ أواخر القرن الثامن عشر وحتى منتصف القرن العشرين لثلاث مراحل متعاقبة من نزع السيادة الثقافية؛ بداية من التبعية العثمانية، مرورًا بالاحتلال الفرنسى (1798-1801)، وصولًا للاستعمار البريطانى (1882-1956). خلال هذه المراحل، تم تهريب أو اقتطاع آلاف القطع الأثرية لمتاحف الغرب، فتراوحت طرق الخروج بين الهبة القسرية، أو التقاسم الاستعمارى، أو الاحتيال، أو التصاريح الباطلة، أو التهريب.
ويكفى لتصور الحجم التقريبى للآثار المصرية بالخارج مراجعة الأرقام التالية: المتحف البريطانى لندن، أكثر من 100٫000 قطعة أثرية مصرية مسجلة رسميًا! متحف بترى، يضم 80٫000 قطعة كاملة! متحف اللوفر فرنسا أكثر من 50٫000 قطعة، بعضها مخفى عن العرض! المتاحف الأمريكية، تضم حسب تقديرات الباحثين أكثر من 200٫000 قطعة موزعة بمتاحف المتروبوليتان نيويورك، متحف الفنون الجميلة بوسطن، متحف جامعة بنسلفانيا، المعهد الشرقى بشيكاغو، متحف كليفلاند، متحف بروكلين، وغيرهم! يضم متحف Neues Museum / Ägyptisches Museumبألمانيا مجموعة ضخمة جدًا، والمعلن والمعروض رسميًا حوالى 2٫500 قطعة فقط، والبقية بمخازن لا يدخلها إلا الباحثون! يأتى على رأس هذه الآثار حجر رشيد (لندن)، رأس نفرتيتى (برلين)، الزودياك (اللوفر)، تيجان الكرنك وتمثال حم إينو مهندس الهرم الأكبر.
كل ذلك يحتاج لإعادة نظر فى موقف مصر من منهجية استرداد آثارها! فلماذا تكتفى مصر بالاستناد لاتفاقية اليونسكو 1970 بينما تعلم أنها غير ذات أثر رجعي؟ ما الأساس القانونى لمصر لإثبات ملكيتها لتمثال نفرتيتى خارج إطار الوثائق المتنازع عليها؟ لماذا لم تُطرح حجة الاستحالة القانونية لموافقة مصر الرسمية أثناء الاحتلال البريطانى، باعتبارها دولة فاقدة للسيادة الكاملة؟ لماذا استقر زودياك دندرة، بمتحف اللوفر، رغم وجود وثائق فرنسية تصف قصة سرقته أو زعم بموافقة كتابية لم تظهر أبدا؟ هل كانت مصر فى زمن الاحتلال قادرة قانونيًا على التفريط فى آثارها؟ وهل فقدان السيادة حينها لا يُبطل تلك الاتفاقات التى أُبرمت دون دولة ذات سيادة؟ هل تتبنّى مصر خطابًا تاريخيا قانونيًا دوليًا كافيًا؟ أم لا تزال تعتمد على الصيغ البروتوكولية العقيمة التى فشلت فى استعادة نفرتيتى والزودياك ورهبة المطالبة بحجر رشيد؟ هل آن الأوان لتطوير مطالبة هذا الملف من جديد؟ وهل هناك حق دون استحقاق؟ وهل يمكن ممارسة الاستحقاق دون أحقية؟ وهل تملك مصر حقًا، إن كانت لا تُمارسه؟ ما الذى يجعل مصر اليوم، فى 2025، صامتة أمام هذه القضايا رغم امتلاكها متحفًا عالميًا، وجيشًا قويًا، ومؤسسات قانونية محترفة؟
يجب الاعتراف بأن ملف الآثار المصرية من الألغام المحظور فكها، ليس على مستوى التهريب والتجارة فقط! ولكن لارتباطه رمزيا بنسق استشراقى يرى الحضارة الأوروبية وريثةً عالميةً للحضارات القديمة! فكما تشير دراسة حديثة، فالجمهورية الفرنسية فى عصر نابليون رَسَمَت نفسها «وريثةً للحضارة العالمية المنطلقة من مصر»، وكان إنجاز شامبليون فى فك الهيروغليفية بمثابة تبرير لهذا الادعاء! أى أنَّ إنجاز شامبليون لم يُنظر إليه باعتباره فَكًّا لأحد أنظمة الكتابة العريقة فقط، بل كخطوة قامت بتعزيز رواية يزعم فيه الغرب امتلاكه للحضارة المصرية وتراثها. هذا السرد الاستشراقى يجسده التمثال بوضوح، حيث يُظهر الغربى مُفكّرًا مُسيطرًا على رأس ملكى قديم، متفوقًا تقنيًا وفكريًا! ومن هنا يمكن تصور العلاقة غير المنظورة بين تمسك وحماية فرنسا للتمثال، وبين تسرب مفهومه محليا لتأمين استمرار السردية القانونية المصرية لاسترداد الآثار بهذا المعنى والرمزية، فى إطار بيئة قانونية تكرس لوضعية الرأس المدعوس بطريقة غير مباشرة! (فكيف تنجح فى استرداد أصولها، بكرامة مدعوسة؟)
مصر 2025؛ ليست تلك الغافية قسرا تحت حذاء شامبليون! أو المُعثمنة أو محتلة أو مستعمرة! وافتتاح المتحف المصرى الكبير إشارة عالمية لنهضة مصرية لإعادة ترتيب الأوراق، تطوير المطالبة الحالية، ونحت سردية تاريخية سياسية قانونية جديدة لمنهجية استعادة الآثار المصرية من الخارج، وهو ما سنحاول عرضه فى المقال التالي!
* محامى وكاتب مصرى