عندما بدأنا فى أوائل التسعينات نطوّر مفهوم الاتصال اللاسلكى عالى السرعة، لم يكن أحد يتخيل أن العالم سيصل إلى ما نراه اليوم من تداخل بين الواقع والافتراض، ما كنا نسعى إليه آنذاك هو تمكين الأجهزة من التواصل بحرية عبر الهواء، دون قيود الأسلاك، لكن ما نراه اليوم تحت مسمى «الميتافيرس» هو تطور طبيعى ومنطقى لذلك الحلم القديم — عالم رقمى موازٍ يتيح للبشر التفاعل، والتعلم، والتجارة كما لو كانوا فى واقع حقيقى.
العديد من الناس يعتقدون أن «الميتافيرس» مجرد خيال أو ترف تقنى، لكن الحقيقة أنه امتداد لتطور الإنترنت اللاسلكى نفسه، عندما كسرت تقنية «الواى فاى» حاجز الاتصال المادى، فتحت الباب لعالم جديد من التفاعل الرقمى. «الميتافيرس» ليس قطيعة مع الماضى، بل هو المرحلة التالية من تلك الثورة التى بدأت منذ أكثر من ثلاثين عامًا.
أداة تمكين وليست عزلة
من الطبيعى أن يقلق البعض من أن يتحول الميتافيرس إلى وسيلة لعزل الناس عن الواقع، لكنى أراه من زاوية أخرى، كما مكّن الإنترنت الشعوب من التواصل، يمكن للميتافيرس أن يفتح آفاقًا جديدة للتعليم، والتدريب، والعمل، خاصة فى المناطق الفقيرة أو النائية التى تعانى من ضعف البنية التحتية.
تخيل أن طالبًا فى قرية أفريقية نائية يستطيع الدخول إلى قاعة افتراضية يتفاعل فيها مع أساتذة وزملاء من قارات أخرى، أو أن طبيبًا شابًا يتدرب على جراحة افتراضية دقيقة دون أن يغادر مكانه، هذه ليست أحلامًا، بل تطبيقات بدأت بالفعل.
الفرص الاقتصادية الهائلة
“الميتافيرس» ليس مشروعًا ترفيهيًا كما يظنه البعض، هو مشروع اقتصادى ضخم، يُتوقع أن تتجاوز استثماراته التريليونات خلال العقد القادم، التعليم، والسياحة، والتجارة الإلكترونية، والتصميم الصناعي… كلها قطاعات ستتأثر جذريًا.
الشركات التى تفهم مبكرًا كيف تدمج حضورها الواقعى بالرقمى ستكون صاحبة اليد العليا فى اقتصاد المستقبل.
أمن وخصوصية.. الدرس القديم فى ثوب جديد
عندما بدأنا تطوير «الواى فاى»، كانت التحديات الأمنية هى الهاجس الأكبر، واليوم، فى «الميتافيرس»، تتكرر القضية نفسها بشكل أعمق، فحياتنا الرقمية لم تعد محادثات أو بيانات فقط، بل قد تشمل هوية رقمية كاملة، لذلك يجب أن نؤسس منذ الآن معايير صارمة للخصوصية والأمان، توازن بين حرية المستخدم ومسئوليته.
مصر والفرصة الرقمية
أنا مؤمن أن مصر تمتلك كل المقومات لتكون جزءًا فاعلًا فى بناء الميتافيرس، شبابها الموهوب فى البرمجة والتصميم الرقمى قادر على إنتاج محتوى تفاعلى ينافس عالميًا، المطلوب فقط أن نستثمر فى التعليم، ونفتح المجال أمام التجريب والابتكار، بدلًا من الخوف من المجهول.
الإنترنت اللاسلكى الذى غير وجه العالم وُلد من فكرة، والميتافيرس لن يكون مختلفًا، كل ما نحتاجه هو الإيمان بالعقل وقدرته على التحول من متلقٍ إلى صانع.
بين الحلم والمسئولية
فى النهاية، «الميتافيرس» ليس عالمًا افتراضيًا باردًا، بل بيئة جديدة تُختبر فيها قدرة الإنسان على استخدام التكنولوجيا لخدمة الإنسان ذاته، من اخترعنا «الواى فاى» من أجل تواصل أفضل، والآن علينا أن نضمن أن «الواقع الافتراضى» لا يبعدنا عن قيمنا الواقعية، بل يعيد تعريفها بشكل أكثر إنسانية.
حاتم زغلول
* مخترع «الواى فاى السريع» وخبير تكنولوجيا الاتصالات