خواطر مواطن مهموم 317

المأزق الأوكرانى كبير الولايات المتحدة كفت عن تقديم أى مساعدات لا يدفع ثمنها الأوروبيون باستثناء الدعم الاستخبارى

توفيق أكليمندوس

أوكرانيا فى المصيدة

القضية الأوكرانية عادلة وتخوض هذه الدولة حربا وجودية ضد عدو ينكر وجودها كأمة ويصر على اعتبارها محافظة عصية أو شيئا من هذا القبيل، ولن يكتفى بأقل من إخضاعها وبحق فى رسم سياساتها، ويعمل جاهدا على محو الهوية الأوكرانية لأنها فى رأيه أمر مصطنع فى حين أن الحقيقة وفقا له هى أن هويتها روسية، هذا الكلام يجافى كل حقائق التاريخ. وإن نحينا التاريخ جانبا سنجد أن القانون الدولى شديد الوضوح فيما يتعلق بالحق الأوكرانى، شأنه شأن أبجديات العدل.

لا يتسع المجال لمناقشة مقولات الخطاب الروسى وبيان فسادها، أشير فقط إلى أمرين أولهما أن رفض الخطاب الروسى لا يعنى تبنى كل مقولات الخطابين الأوكرانى والغربى، ولا يعنى أن أوكرانيا مجتمع مثالى خالٍ من الشوائب، لكل مجتمع عيوب ولا يوجد على الأرض من هو معصوم من الخطأ، ولكن لكل شعب الحق فى الحياة وفى تقرير المصير والاستقلال أيا كانت عيوبه. وثانيهما أن التذرع الروسى بوجود تهديد جسيم من «الناتو» ضدها كلام لا يستقيم، الولايات المتحدة كانت فى بدايات “التحول إلى آسيا” وكانت فى غنى عن مشاكل على المسرح الأوروبى، حال الجيوش الأوروبية يثير الرثاء، روسيا دولة كبرى ومن حاول غزوها فى القرون الأخيرة مُنِّىَ بهزيمة منكرة، واليوم وإضافة إلى حقائق الجغرافيا تملك الآلاف من الرؤوس النووية.

روسيا لم تكن تخشى «الناتو» بل حاولت استغلال ضعفه وأزماته، وحسمت أمرها بعد مشاهدة مهزلة الانسحاب الأمريكى من أفغانستان، وراهنت على أن تبعية الدول الأوروبية لروسيا فى مجال الطاقة ستمنعها من الاعتراض، وتصورت أن سهولة وسلاسة الاستيلاء على «القرم» سنة 2014 تعنى أن أوكرانيا لن تقاوم.

روسيا مقبلة على انتصار كبير فى معركة «بوكروفسك»، وموقع هذه المدينة المهجورة تقريبا بعد تدميرها تدميرا شاملا موقعا إستراتيجيا بالغ الأهمية، الاستيلاء عليه يعرض باقى المدن الأوكرانية فى الدونباس – أقصد تلك التى لم تسقط بعد فى الأيدى الروسية – لخطر شديد. الاستيلاء على هذه المدينة كلف روسيا أكثر من مائة ألف قتيل هذه السنة وحدها، ولكنه قد يقلب الموازين.

المأزق الأوكرانى كبير، الولايات المتحدة كفت عن تقديم أى مساعدات لا يدفع ثمنها الأوروبيون باستثناء الدعم الاستخبارى ولا نقلل من أهميته، والرئيس الأمريكى يرى أن التفاهم مع روسيا من أولويات سياساته، ولم يقدم على توقيع عقوبات ضدها إلا بعد أن طالبته موسكو بمزيد من التنازلات، الدول الأوروبية الكبرى – ألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا تحديدا- تواجه صعوبات مالية جسيمة تؤثر على قدرتها على دعم اقتصاد أوكرانيا، وإضافة إلى هذا عجزت تماما عن تحقيق زيادة كافية لإنتاج مصانعها الحربية، وعن توجيه مصانعها ليكون إنتاجها متوافقا مع مقتضيات المسرح والحرب الحديثة، نسبة كبيرة من الأسلحة الأوروبية التى يتم مد أوكرانيا بها غير صالحة للحرب الحالية، أغلب هذه الدول تشاهد مدًا لليمين المتطرف المعجب بنظام حكم موسكو أو المنادى بمهادنتها. 

قد تنجح الدول الأوروبية الأخرى فى سد النقص – مالية بعضها قوية، أتحدث عن النرويج وهولندا.

على المسرح أوكرانيا تعانى من نقص حاد فى الجنود، أعداد القوات الروسية المنخرطة فى القتال على الخطوط الأولى للجبهة، ضعف أعداد القوات الأوكرانية، روسيا على عكس أوكرانيا قادرة على تعويض خسائرها البشرية بسهولة وقيادتها أبدت عدد مبالاة بحجم هذه الخسائر... أكثر من مليون ومائة ألف قتيل وجريح منذ بدايات الغزو، أوكرانيا عاجزة عن حماية منظومة الطاقة والمنشآت المدنية، هذا العجز المقرون بقسوة الشتاء دفع الملايين من الأوكرانيين إلى الهجرة. 

فى المقابل أظهر الجنود الأوكرانيون بسالة، وطورت أوكرانيا قدراتها على توجيه ضربات موجعة مؤثرة إلى منظومة الطاقة الروسية مما يحد من قدرة موسكو على تمويل الحرب، باختصار لا أحد يعلم من سينهار الأول، ولكن الفرص الأوكرانية تتضاءل يوما بعد يوم.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية