“لم يكن أول نوفمبر 2025 كسابق عهده معى منذ 150 عاما! فها أنا أستيقظ بعد قرنٍ ونصف من الوطء الصامت، بذات الرأس المهشّمة واُذن مثلومة وعنق مجزوز تحت حذاء الغريب، وعيون العالم تسبح من حولى تتفرّس فى صمتٍ وجمود! 150 عاما من الصمت المريب، العزلة القارصة، الوحدة القاهرة! بدون دفاع، تبرير، رد كرامة! مئات الأيام والشهور – لم أفقد فيها الأمل أبدا - أنتظرها لرفع الضيم، إعلان الحقيقة، إنصاف التاريخ! والليلة، امتزج البرد الباريسى بأضواء مبهرة عند مسلة لوكسور (مسلة ميدان الكونكورد)، وتسللت لصيوان أذنى أصداء موسيقى صادحة عبرت فضاء التاريخ والفن من الجيزة بمصر إلى البوابة الصغيرة للكوليدج دى فرانس (سجنى الأبدي)، معلنة افتتاحًا تاريخيًا للمتحف المصرى الكبير، فى رسالة مصرية للعالم حيث التاريخ لا يُهان، بل يُحترم، والآثار ليست جسورًا للهيمنة، بل منارات للمعرفة والسلام.
اختلج حجرى تحت الحذاء وتجاوزت روحى أغلال التبعية والاستعلاء الثقافى والتبريرات الممجوجة، وكنت (ضيف القرف) الحاضر الغائب عن الاحتفال، الذى لم يدعُنى له أحد، أو يجرؤ عليه أحد! كم أبهرتنى روعة العرض، التنظيم، الحضور العالمى، استشعارى بعظمة أسلافى وأحفادى، ومصر تقدم هدية الخلود للعالم. للحظات مرت كدهور جبت الأركان والزوايا، تعبيرات الإعجاب والانبهار، رسائل الإشادة والتقدير والوعود، لتتناهى لسمعى عبارة حفيدى خالد العنانى مدير اليونسكو محتفيا بإرث حضارته بقوله (إن الأحلام الكبيرة لا تولد بين يوم وليلة، ولكنها تبدأ برؤية واضحة من تسخير الموارد وسنين طويلة من العزيمة والشغف والإصرار، فالمتحف المصرى الكبير نقطة التقاء نادرة بين الماضى والمستقبل، يقدم فيه التاريخ ليس كأثر ساكن، بل كقوة محركة للفكر الإنسانى وتدفعه نحو الابتكار). فكيف بك حفيدى المتنور وأنت تعلن ذلك للعالم، تتركنى تحت حذاء شامبليون من صنع المغرض أوجست بارتولدي؟ كيف نتركه/ تتركه يظلم شامبليون ذاته، حين جعله رمزًا لاستعلاء لم يطالب به، بل ربما لم يتخيله يوما؟ كيف نُذوّق إبهارنا للعالم بحقيقة التاريخ، وتتركنى رمزا لقهره حتى اليوم؟
اليوم تقف مصر جديدة شامخة أبية واعدة، منارة لبعث التاريخ، بصرح كونى يبز الخلود القادم، ومع ذلك يرزح رمزها بتاج المُلك تحت حذاء مقيت لعالم مظلوم ونحات موتور، يغلفه صمت السنين وكيد البارتولديين واستنكار المصريين! فهل تكتفى اليونسكو بتوثيق الحفريات والمنح الدراسية والاحتفاليات البروتوكولية؟ أم يمكن لمديره المصرى أن يُطلق مبادرة لتقييم الرموز المسيئة فى الفضاء العام الأوروبى والعالمي؟ هل حان الوقت لتقود مصر مع اليونسكو حملة عالمية لإعادة النظر فى التماثيل التى تكرّس للعنصرية الرمزية؟ هل سطوع المتحف المصرى الكبير على خريطة المتاحف العالمية والفعاليات الحضارية، لحظة مناسبة لدعوة العالم إلى مصالحة رمزية لا تقوم على المحو، بل على الاعتراف والتوازن وحق الآخر فى الاعتبار؟ افتتاح المتحف جعل قضية تمثال شامبليون 1875 (ونسخته الحديثة 2016 بجرينوبل) ليست مصرية فقط، بل قضية عالمية لكيفية صناعة فن لا يُهين الآخر؟ كيف ننتصر لإنجاز علمى مثل شامبليون دون أن نجعل منه سيدًا فوق حضارة كاملة؟
لم يعد رأسى المدعوس تحت حذاء شامبليون مجرد حجر، بل مرآة لضمير ثقافى معلق بين زمنين، يتمنى من مصر الجديدة واليونسكو أن يجعلاه مشروعًا أمميًا لأخلاقيات الفضاء العام، وتتصدره اليونسكو بوصفها الحاضنة الأولى لكرامة الثقافة والتاريخ والفنون فى العالم. ولكن كما قال الحفيد النابه (إن الأحلام الكبيرة لا تولد بين يوم وليلة، ولكنها تبدأ برؤية واضحة من تسخير الموارد وسنين طويلة من العزيمة والشغف والإصرار)، وها أنا أعود لصمتى الداكن أتبلغه مع نبوءة حفيدى فى صمت الدهر بعد رسالتى لأحفادى، لتتويج متحف ماضى المستقبل والخلود بإنقاذ كرامة مصر والمصريين من حذاء اللبس والغموض! فهل أتى على مصر حينٌ من الدهر سترفع فيه ظلما كان مذكورا؟”
هكذا قال الملك المصرى القديم من تحت حذاء تمثال شامبليون، وهكذا يكمل انتظاره لنصرة الأحفاد!
* محامى وكاتب مصرى