خواطر مواطن مهموم 315

ويرى فى رجال الأعمال الفئة الأقدر على ممارسة السياسة، وأتصور أنه يشك فى مهارات كبار الموظفين ورجال القانون والجامعيين

توفيق اكليمندوس

كيف يعمل الرئيس ترامب 1

يعلم القاصى والدانى أن الرئيس ترامب يفضل الصفقات على الارتباطات والتحالفات والأحلاف المتوسطة والطويلة الأجل، وأن هذا المنهج يريح أفرادًا وأنظمة ودولًا، ويثير استياء غيرهم. من يخشى أن يكون الارتباط مرادفًا لتبعية مستديمة وبابا يسمح بالتدخل الأمريكى فى الشئون الداخلية يفضل منهج الرئيس، من يثمن العمل المؤسسى المتعدد الأطراف والقدرة على التنبؤ والأُطر المحددة والتعاون الطويل الأمد ولا يحب المفاجآت والمقايضة اللانهائية لا يرتاح لها.

الرئيس يحب الأقوياء دولًا وأفرادًا، والأغنياء دولًا وأفرادًا أيضًا، ومعايير القوة التى يعجب بها تحتاج إلى تحديد. يبدو لى أولًا أنه يفضل الدول التى تكون السلطة فيها مركزة فى أيدى شخص واحد، وتطغى فيها السلطة التنفيذية وتهيمن، أو على الأقل تتمتع بحرية فى اتخاذ القرار وفى تنفيذ السياسات لا يقيدها دستور ولا قانون إلا فى أضيق الحدود. يبدو أنه يرى فى مبادئ فصل السلطات روشتة تضمن الشلل، وفى العمل المؤسسى تمكينًا لبيروقراطية لا تمثل الشعب وتعطل كل شيء، وتعمل وفقًا لعقيدة أو لمبادئ أيديولوجية تدّعى العلمية، مبادئ هى سلة معتقدات نخبوية لا تعرف السوق ولا تحتكّ بالعامة وتتصور أن مصالحها الفئوية هى الصالح العام.

الرئيس يؤمن بالصلات الشخصية بين القادة الكبار وبرجال الأعمال. ويرى فى رجال الأعمال الفئة الأقدر على ممارسة السياسة، وأتصور أنه يشك فى مهارات كبار الموظفين ورجال القانون والجامعيين، لا أعرف بالضبط رأيه فى كبار العسكريين. فى الولاية الأولى أحاط نفسه بأعداد منهم، لكنهم غير موجودين أو مهمَّشون فى الولاية الثانية. أتصور أن الرئيس معجب ببعض خصالهم، وكاره لبعض آخر، الضابط المعاصر رجل عملى يبحث عن حلول ويعرف أهمية التكنولوجيا، ويتقن فنون اتخاذ القرار، ولكنه، فى الوقت نفسه، بيروقراطى ابن الدولة ومؤسساتها، يثمّن آليات اتخاذ القرار وتنفيذه، يؤمن بأن السياسات الجادة عملية تتم من خلال أُطر، ويعطى الأمن القومى بأبعاده المختلفة- السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية والعلمية والصناعية- أهمية قصوى، الرئيس يولى أيضًا الأمن القومى اهتمامًا كبيرًا، لكن يبدو أن اعتبارات أخرى تُزاحمه، إرضاء القاعدة الانتخابية، مقتضيات ضمان ولاء الأتباع، الرغبة فى تصدر الأخبار، مصالح أسرته وأصدقائه من رجال الأعمال، تصفية حسابات مع خصوم... إلخ. هنا أشير إلى أن بعض قرارات الرئيس الاقتصادية تضر اقتصاد البلاد ككل، ولكنها تفيد قطاعًا كبيرًا من ناخبيه.

تؤكد الشواهد ما أذهب إليه فيما يخص تفضيله رجال الأعمال، أبسط مثال هو دور كل من ويتكوف وجاريد كوشنر فى المفاوضات، لكن تفسيرى لهذا الأمر الواقع عبارة عن تكهنات، الاثنان المذكوران أصدقاء وأقارب، لكننى أتصور أن هذا تفسير جزئى لا يكفى لرسم الصورة كاملة، هناك نظرة استعلائية يتشارك فيها الرئيس الأمريكى وبعض كبار رجال الأعمال ورؤساء الشركات العملاقة، بمقتضاها يكونون هم والحكام كأعضاء ناد نخبوى ضيق، يتولى فيه الخدمة الجامعيون وكبار الموظفين والسفراء ورجال القلم، وإن فضلتم تعبيرًا آخر فهناك فارق بين زعماء العصابات، ورجال العصابات، والخدامين. والجامعيون ورجال القلم والسفراء... إلخ من الخدم أو من صغار الموظفين الذين يجيدون وضع عراقيل تحت مسمّيات مختلفة. الكبار يعرفون بعضهم البعض، ويعرفون السوق والحياة العملية وكيفية عقد اتفاقات، ويتحكمون فى مصائر الكثيرين، وربما فى سلوكهم، الرئيس قابل نظراءه مرات ومرات، فى حين أن الجامعى يسمع لهم وعنهم.

أتصور أيضًا أن الرئيس ينظر إلى أداء النُّخب فى العقود الماضية، ويقيّمه تقييمًا سلبيًّا، وهو فى هذا يذهب مذهب قطاعات من العامة، التى ترى مثلًا زحف المهاجرين ولا ترتاح إليه، والتى ترصد فى أسى كيف أضعفت العولمة البنية الصناعية الوطنية، والتى ترى أن تضحيات الجنود فى أفغانستان والعراق ذهبت هباءً وترى أن الليبرالية الحالية عدوة الأديان. وأتصور أن الرئيس يقول فى سريرته: اخرسوا يا متعلمين يا أصحاب الحصاد إياه.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية