الكفاح فى قضية تمثال شامبليون لا ولن ينتهى! تحول الحجر إلى رمز، والرمز لمعنى، عمّق جذور القضية وتداعياتها وصورها الحديثة فى الوعى الجمعى المصرى والعالمى! فمن بدايات بحثى فى القضية ديسمبر 2022 - على مدار 53 مقالا - تنبهت أن جذورها تكمن فى وعى وقصد ومسؤولية نحات التمثال (أوجست بارتولدي/ 1834 - 1904)، وليس فى شخص أو علم أو قيمة العالم الفرنسى شامبليون! بارتولدى جاء إلى مصر مفتونًا بعظمة آثارها، لكنه عاد منها محبطًا بعد رفض الخديوى إسماعيل لمشروعه “مصر تنير الطريق لآسيا” ومن هذا الجرح الفنى، وُلدت نسخة تمثال شامبليون المُعدلة (1875) الذى يسحق رأس الملك المصرى، كانتقام جمالى مغطى بالعلم والتنوير! فبارتولدى لم يرَ نفسه نحاتًا، بل “مخلّصًا للحضارة من الصمت”، وجعل من تمثاله أداة رمزية لترسيخ الهيمنة المعرفية الفرنسية، وهكذا وُلدت البذرة الفكرية لما سميته “البارتولدية” أو “البارتولديين”! بتحويل الفن المعنوى إلى جهاز ناعم للاستعلاء الحضارى.
تحولت البارتولدية لفلسفة كاملة لإدارة الوعى الجمعى عبر رموز فنية، تتنقّل من الحجر للصورة، ومن النحت للخطاب! كمنهج مستتر خلف الفن والسياسة، حيث تُستعمل الرموز الفنية والثقافية والاقتصادية لتكريس الشعور بالتفوّق الحضارى أو الأخلاقى أو المعرفى على الآخرين، تحت غطاء “الفن”، أو “الإنسانية”، أو “العلم”. القضية الحقيقية هى ترجمة هذه الفلسفة على يد جيل/ أجيال كاملة ممن سميتهم (البارتولديين) كفئة فكرية وسلوكية، قد لا تنتمى إلى جماعة محددة، لكنها تشترك فى رؤية جمالية مزيّفة للهيمنة مصدرها ومبلورها النحات بارتولدى! إنهم ورثة فكره الضمنى بأن الجمال يمكن أن يُبرّر التسلط، وأن الفن قد يعلو على الكرامة! لتتحول تدريجيا لنظام وعى استعمارى ناعم ينقل فكرة السيطرة من ميدان السلاح لميدان الرمز، ومن الغزو العسكرى للغزو الجمالى والمعرفى!
ومن هنا يمكننا التعرف على البارتولديين المحليين! تلك الفئة التى تَشربت خطاب الهيمنة الثقافية فى المدارس والجامعات والمحافل الثقافية والمقاعد الوظيفية، حتى غدت تُدافع عن الإهانة الرمزية وكأنها فخرٌ فنى، وتُهوِّن من أثر الإذلال وكأنه سوء فهم فى قراءة الجمال! خاصة عندما يتمسك مثقفون ورسميون مصريون بأن التمثال “لا يمثل إهانة”، أو أننا “لا نفهم معنى الحذاء فى الثقافة الفرنسية”، أو “لندع التمثال ونكتب ورقة موضحة عند قدمه” إلخ، بما يمكن تسميته بالبارتولدية المعكوسة، أو الدفاع عن الجمال المهين باسم الدبلوماسية، وتبرير الاستعلاء باسم الانفتاح وحرية الإبداع! لتكون خطورتهم الحقيقية ليس دفاعهم عن تمثالٍ أو عن فنانٍ فرنسى، بل انفصالهم عن الوعى التاريخى برمزية ما يدافعون عنه! فهم امتداد خفى لزمنٍ أطاح بالمعنى، حين يصبح الخضوع للفن أسمى من الكرامة، وحين يُختزل الوطن إلى “ذوق” لا إلى “قيمة”.
أزمة البارتولديين المصريين تزييهم بشعارات التنوير والحرية والإنسانية والإبداع والصفات الحكومية والألقاب الثقافية، لممارسة وصاية تفسيرهم لرموز الآخرين ضد مصر والمصريين باسم “التفتح والذوق الرفيع”! فتراهم ينتشرون فى المؤسسات الأكاديمية والصحفية والثقافية والدبلوماسية، حيث يستطيعون توجيه السرد دون أن يُحاسَبوا، عبر تقارير أو مواقف “محايدة”! وبدلا من تصحيح الرمز المُهين، ينبرون لتأويله وتلطيفه! فبقاء الرمز مهينًا يعنى بقاء موقعهم المعرفى مهيمنًا، حفاظا على الدبلوماسية الثقافية والانفتاح على الآخر! لذلك فهم أخطر من بارتولدى نفسه لأنهم ينحتون فى وعى الأمة لا الحجر، بالخضوع الجمالى والتبرير السياسى وإنكار الكرامة، وبتعاملهم مع التمثال كقطعة حجر، لا كمرآة تكشف علاقة معقدة بين الهيمنة والجمال والكرامة المصرية! والنتيجة إعادة إنتاج الاستعمار الرمزى محليًا فى علاقة التابع بالمتبوع، وتوثيق موجع لخلود بارتولدى ذاته فى الوعى المصرى، لدرجة إسقاط وعينا بحس الكرامة تدريجيا لأن التمثال غير مُهين! فنؤكد عدم التمييز بين الفن والهيمنة، فيشّل تدخلهم التحرك المصرى الرسمى دوليا فى الدفاع عن الرمزية الوطنية، باعتبار تصريحاتهم وتبريرهم أن المصريين أنفسهم غير متضررين من الإساءة!
يتوغل ويتنوع البارتولديون من البارتولدى الأكاديمى المُبرر والمُطبع للإهانة بمصطلحات نقدية وجمالية، للبارتولدى الإعلامى الصائغ للخطاب العام لتكييف التبعية بأنها انفتاح وحرية وتطور، للبارتولدى الدبلوماسى المُفضل للصمت أو التعتيم أو التسطيح حفظا للود الدولى والدبلوماسية الثقافية، أما أخطرهم فهو البارتولدى المثقف المُعيد تصدير الهيمنة لأهله باسم الفن العالمى وحرية الإبداع! الفتنة أنهم لا يُهينون مصر فحسب، بل يُشكّلون الوعى الجمعى الذى يقنع الشعب بأن الخضوع للجمال أرقى من مقاومة الإهانة! لتكون المحصلة أن الإذلال يمكن أن يكون فناً، والفن لا يُسأل عن الضمير! فتتخلص الهيمنة من البارود، وتنطلق عبر المتاحف، والتماثيل، والمناهج، وشاشات السينما، وخطب المثقفين! فهم فى النهاية ليسوا مجرد أشخاص، بل حالة ذهنية تتكرر فى كل عصر، قد يكون أحدهم فنانًا، أو أكاديميًا، أو أثريا، أو دبلوماسيًا، أو موظفًا يُبرّر الإهانة باسم “الذوق الرفيع وحرية الابداع”! يملكون ناصية الكلمة وبريق الصفة ومصداقية المنصب، لتبرير نزعتهم بالوصاية على الوعى وطمس الحقيقة، بالهيمنة الناعمة بدلا من المواجهة المستحقة.
البارتولدية كفلسفة والبارتولديون كسفراء لها، نبصرهم فى صور متعددة لنحت الجمال المسموم بالهيمنة والسيطرة فى الاقتصاد والسياسة والفن تحقيقا لسرمدية التفوق الغربى سواء عن علم ومباشرة أو عن تبعية وتقليد وحماية مصالح محلية أو دولية! يمكننا لمحهم عندما يستعملون الفن/السياسة/الاقتصاد كوسيلة لتكريس تفوقٍ رمزيٍ أو حضارى، أو تخفيفهم من الاعتراف بالكرامة، أو الشراكة، أو الذات الثقافية للآخر، أو استخدامهم خطاب “التنوير/الحداثة/العلم” كغطاء لهيمنة ثقافية، أو معرفية، أو إنتاجهم، أو دعمهم رمزًا، أو عملية، أو مشروعًا يبقى فى الوعى الجمعى ويرسّخ هيمنة رمزية، كفيلم أو تمثال أو مبادرة اقتصادية تُعرض كإنقاذ أو إنجاز يسجل لجهة واحدة! خطورة البارتولديين كفيروس عبر الهواء، مندسون بيننا داخليا وخارجيا بتكريس عالمى يضمن المحافظة على استمرار الفوقية والهيمنة الثقافية والعملية والفنية والاقتصادية لأجيال ممتدة، ولن تتم معالجتهم بدون فك شيفرة أوجست بارتولدى نفسه، ورمزية ومعنى مسخه القابع فى الكوليدج دى فرانس ونسخته الحديثة 2016 بمدرسة شامبليون الثانوية بجرينوبل، الذى انتقل من كونه تمثالا فرمزا، ليصبح منهجا تربويا!
يمكننا لمح البارتولديين فى التنمية المستدامة الجديدة فى غزة، سوريا، أفريقيا، الخليج، فى توغل الصين عالميا، لتقدم الهيمنة المغلفة بالإحسان والدعم وحماية الحضارة والسلام العالمى! فى أفلام هوليوود بإعادة سرد تاريخ العالم بالتفوق الغربى وعجز وبربرية الحضارات القديمة إلخ! البارتولديون “بالأصالة أو بالوكالة أو بالجينات” يكرسون للهيمنة الخام التى عبرت الزمن من دعسة حذاء على ناصية اهم وأعظم حضارة فى الإنسانية، وتطورت ذاتيا فى لاوعى أتباعها لإنتاج صور ومفاهيم جديدة، تضمن بقاء رأس الجنوب تحت الحذاء الأنيق فى صورة جميلة! ويا له من جمال مسموم نكافح كتائبه ونلوذ بالزمن واهل البصيرة لدعمنا!
* محامى وكاتب مصرى