فى وصف السياسة الخارجية للرئيس ترامب
من يعرفنى يعرف أننى لا أطيق هذا الرئيس، وأننى لا أرتاح لتوجهات إدارته، ولى فى هذا أسباب قوية حاسمة أعتقد أنها لن تزول، ولكننى أمضيت جزءًا من الأسبوع الماضى أقرأ وأسمع لمن يدافع عنه، أو على الأقل يتفهمه، وقررت عرض بعض ما قِيل لكى تكتمل الصورة.
يرى أحد الأصدقاء الأعزاء أن الولايات المتحدة تنتهج نهجًا يتعمد إضعاف الكل؛ الأعداء والمنافسين الحقيقيين والمحتمَلين والشركاء، لتظل هى الأقوى، وليظل الجميع معتمدًا عليها متوجسًا منها. وأرى شخصيًّا أن هذا غير حقيقى، وإن كان حقيقيًّا فهو خيار سيئ؛ لأن الولايات المتحدة فى حاجة إلى حلفاء يمكن الاعتماد عليهم.
ألتقط الخيط من صديقى، وأقول ربما يرى الرئيس الأمريكى أن سياسة إضعاف الكل هى سياسة الصين حاليًّا، وأن جهوده لإنهاء حرب العدوان الروسى على أوكرانيا مثلًا ترمى إلى وقف إرهاق أوروبا والولايات المتحدة واستنزاف روسيا وأوكرانيا، وقد يأمل أن يقبل الرئيس الروسى الهدايا المجانية التى قُدمت له وإخراجه من الورطة التى صنعها لنفسه، وأن تكافئ موسكو الولايات المتحدة أو أصفياء الرئيس ترامب إما بتعاون اقتصادى فى عدة مجالات حيوية، وإما بفك الشراكة مع الصين، أو على الأقل بتحسين شروط العلاقات الروسية الصينية لصالح روسيا.
ونقول، دون إطالة، إن هذه المقاربة ليست سليمة، حتى لو افترضنا أن الولايات المتحدة وُفقت فى إدارة المفاوضات؛ لأن الرئيس الروسى لن يفك التحالف مع الصين، ولأنه لا يمكن تصديقه فيما يخص نواياه تجاه أوكرانيا وباقى دول جواره. قد يقال إن أوروبا وأوكرانيا فى حاجة إلى التقاط الأنفاس وإلى مهلة للاستعداد، لكن المهلة ستكون مفيدة لروسيا أيضًا. باختصار، لا يوجد ما يوحى باحتمال نجاح أى سعى لضم روسيا إلى صفوف الغرب، ولفكّ شراكتها مع الصين ولدفعها إلى التنازل عن أهدافها.
قرأتُ تحليلات تقيم ثنائية تميز بين الرئيس وإدارته، وتزعم أن لكل منهما مسلكًا، بعضها يقول إن هذا توزيع أدوار، والبعض الأكثر يقول إن الخلافات حقيقية، بعضها يقول إن الرئيس أكثر فهمًا ووعيًا من إدارته، وبعضها يرى أن العكس هو الصحيح.
وفقًا لفريق، الإدارة- ولا سيما فى وزارة الدفاع- مكونة من كوادر تؤمن بالانعزالية أو بضرورة التركيز على الداخل والأمريكتين، ومن كوادر ترى أن التصدى للصين يقتضى التخلى عن التواجد على المسارح الأخرى، فى حين أن الرئيس فهم أن التخلى عن أوروبا وعن الشرق الأوسط أمر سيُلحق ضررًا بليغًا بالمصالح الأمريكية وبمصداقيتها. ويزعم أنصار هذه القراءة أن الرئيس وُفق فى تقوية حلف الناتو بإجبار الأوروبيين على مزيد من الإنفاق الدفاعى، وأنه وافق على استمرار دعم أوكرانيا، على عكس تمنيات الانعزاليين، لكنهم يقرون بأن إدارته المسرح الآسيوى لم تكن موفَّقة. وأُضيفُ أن إدارته الملفات الأفريقية ليست موفَّقة أيضًا.
وفقًا لفريق آخر، يجعجع الرئيس مخاطبًا أساسًا قاعدته الانتخابية، ويسعى أولًا وثانيًا وثالثًا إلى تصدُّر الأخبار بحيث تكون تصريحاته العنترية المتقلبة الخبر الأول فى أى نشرة، ويقول كلامًا يهدف إلى إظهاره بطلًا مغوارًا وعبقريًّا متمرسًا، فى حين أن إدارته تحاول أن تدير الملفات باحترافية فى ظل وضع صعب... السياسات متقلبة ولا أحد يعرف بالضبط ما يريده الرئيس، وتصريحاته تثير مشاكل؛ الكل فى غنى عنها.
فى جلسة حوارية بين ثلاثة من كبار المؤرخين الأمريكيين والبريطانيين، اتفق الثلاثة- مع فروق مهمة بينهم- على أن الرئيس الأمريكى أجاد اكتشاف نقاط ضعف المقاربة الليبرالية ومنظوماتها، واختلفوا بشدة حول مدى توفيقه فى التعامل معها وفى التصدى لها. على سبيل المثال، قالوا إن الرئيس أول من فهم أن الصين ليست شريكًا بل منافس، وربما عدو، وأنه فهم أيضًا التأثيرات المدمرة لأدلجة الجامعات الأمريكية، لكن واحدًا منهم على الأقل قال إن معالجته للمشاكل سيئة.
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية