وصف الأديب المبدع كامل الشناوى (الساندويش) بشاطر ومشطور وما بينهما طازج! أما الشاطر (أو السكين) فهو الوعى المصرى الحديث وتدريجيا العالمى، أو هو النحات الفرنسى أوجست بارتولدى، وأما المشطور فهو مصر وفرنسا، أو الشرق والغرب، أو الحقيقة والأسطورة، أو فك الرمز وسحقه، أو الإبداع والإساءة، وأما الطازج فهو العالم الفرنسى شابليون، ونسختى تمثاله 1875 بالسوربون و2016 بمدرسة شامبليون الثانوية بجرينوبل، كرمز لهيمنة “العقل التفسيرى الغربى” على “الهوية المعروضة الشرقية”، أو الوسيط الذى ظنّ أنه “جمع” بين العالمين عبر فكّ الرموز، لكنه فى الحقيقة “كرّس” الفصل بينهما.
عندما نحت الشاطر”بارتولدى” معنى شامبليون، أثخن فى “المشطور” الحضارة المصرية التى يمثّلها الرأس المدعوس، وبينهما رقد شامبليون كسوء وإساءة للفهم التاريخى الممنهج! ليجعلنا نفهم كيف يتحول الفهم الفنى إلى فعل استعمار ثقافى حين يُفقد التوازن بين الجمال والمعنى! وهو ما عكس المعنى الشامبليونى فى الوعى الفرنسى الحديث، بإعادة التعليم الفرنسى اليوم إنتاج هذا الانقسام عبر نسخة تمثال مدرسة شامبليون الثانوية! ليتحول معنى العالم إلى الفاتح بدعسه رأس من قهره! وهو ما يدعونا للتفكر فى موقف الطالب الفرنسى والمصرى من هذا الإرث المُريب؟ كما لو كان التمثال كله “ساندويتش استعمار رمزى” قطعة خبز من الغرب، وقطعة من الشرق، وبينهما فكرة مشوهة عن المعرفة والسلطة.
النسخة الحديثة من تمثال شامبليون بجرينوبل، جعلت القضية تتجاوز ماضى مؤلم إلى مستقبل ثقافى ملوّث بمعنى استعلائى خفى يتوغل فى الوعى الجمعى للشباب، ويسجل سابقة خطيرة لنجاح الصورة الذهنية غير الصحيحة التى نفثها بارتولدى فى نسخة تمثاله 1875، وتربط القصد الفنى لبارتولدى بالنتائج الثقافية المعاصرة، التى انتقلت إلى جينات الوعى الشبابى فى تكريس جديد لمعنى التمثال فى العنصرية الثقافية الفرنسية! لاستيعاب الفكرة تخيل طالبا مصريا انضم لمدرسة شامبليون الثانوية وهو يعاين يوميا دعس الحذاء الفرنسى لهامة حضارة يعتز بالانتماء لها! أو طلابا مصريين بمدارس ثانوية مصرية اطلعوا على نسخة التمثال الجديد، المناقضة لكل ما يتعلموه عن التاريخ المصرى والحضارة المصرية ومجدها التليد، بتحوله “لموضوع للهيمنة” لا للفخر (فهل دونية حضارية أوجع من ذلك)؟ نحن بصدد قضية جديدة لشطر وتفتيت الوعى الشبابى المصرى بمفهوم الكرامة المصرية، التى يعاد تشكيلها تحت قسوة الظروف الاقتصادية والتفكك المجتمعى وإعادة تعريف معانى القوة والسيطرة والبلطجة! القضية هنا تنتقل من الاحتجاج إلى التحليل، ومن الغضب إلى الوعي!
تحول “ساندويتش” شامبليون إلى وجبة فرنسية/ مصرية متكاملة، من فك الرموز المصرية إلى سحق ودعس الرمز المصرى على حساب كرامة مصر والمصريين. ومنعا من اللبس، دعونا نتفق أننا بصدد قضيتين مختلفتين! الأولى قضية مصر والمصريين ضد نسخة تمثال شامبليون 1875 الأصلية بالكوليدج دى فرانس/ السوربون، والثانية قضية شباب مدارس وجامعات مصر ضد مدرسة شامبليون الثانوية وبلدية جرينوبل عن النسخة البرونزية الحديثة لتمثال شامبليون 2016! فلكل قضية خصومها، وصفتهم ومصلحتهم وأضرارهم وسندهم القانونى فى المراجعة! الأولى ضد تمثال قديم، ملك الدولة الفرنسية (وزارات الثقافة والتعليم والآثار)، والثانية ضد تمثال جديد من إنتاج وملك خاص لمدرسة شامبليون الثانوية واتحاد طلابها الذى موّل إنتاج التمثال! والقضيتان لا تهاجمان شامبليون كعالم، بل تهاجمان استغلال رمزية علمه لخدمة هيمنة ثقافية!
نجح الشاطر بارتولدى بعد 150 سنة، بنسخة شامبليون الجديدة (بمزجه المحترف بين الإبداع والإساءة)، فى تأصيل شطره للشرق والغرب، الحقيقة والأسطورة، فك الرمز وسحقه، لدرجة ربط طلاب مصر “شامبليون” بالذكاء والاكتشاف، دون وعى بخلفية التمثال المهينة، فجعلهم يتبنون رموزًا مسيئة لبلدهم دون إدراك! فينقسم وعيهم بين تعليمهم احترام حضارتهم وبين معاينتهم لتمجيد فعل الدهس الرمزى داخل مؤسسة تعليمية فرنسية مرموقة! ومع استمرار رمزية التمثالين وعدم مناقشة إساءتهم وغياب الموقف الرسمى المصرى ضدهما، فسيستمر الوعى الجمعى المصرى بفهم التمثال كتكريم للعلم لا أداة إساءة رمزية تخفى البعد الأخلاقى والسياسى للفن!
ظاهر بحسم، أن قضية النسخة الجديدة للتمثال بالمدرسة الثانوية تنعش إعادة إنتاج التمييز الثقافى بأن الغرب يفسّر، والشرق يُفَسَّر، بما يعمق ضعف الانتماء والكرامة الوطنية عند الطالب المصرى بمصر أو بفرنسا أو حتى بالبعثات الدولية اغترابا وخجلا من تراثه المدعوس! وللأسف فإن غياب، وتهميش، وتعتيم مناقشة القضيتين وغياب حوارهما النقدى داخل مدارس وجامعات مصر، يُفرغ تعليمنا من وظيفته كمولّد للتفكير النقدى عند الطلاب، ويثّبت سردية التفوق الثقافى الفرنسى الأوروبى، والذى يجيز معنى التمثال فى لاوعى الطالب الفرنسى، بأن دعس الآخرين ولو تاريخهم أمر طبيعى أو جمالى، كنتيجة للتفوق الفرنسى فى التفسير والاكتشاف! وهو ما يقود لفصل الطلبة الفن عن القيم! فيتعلمون أن الجمال يمكنه التعايش مع الإهانة، أو الفن فوق الأخلاق!
خطورة القضية الأولى فى العجز المصرى عن مواجهة الخطاب الاستعمارى رمزيًّا، مما يُنتج جيلًا مصريًّا يُمجّد “شامبليون” دون أن يدرك أنه يُمجّد أيضًا “دعسه على رأس ملكه”! أما خطورة القضية الثانية فتكمن فى تكوين لاوعى استعمارى حديث فى وجدان الأجيال الفرنسية الجديدة (بعيدا عن قيمة شامبليون كعالم وباحث)، بأن مصر اكتشافهم وليست مؤسسة وشريكة فى الحضارة الإنسانية! وحتما يؤثر ذلك على تفكير ورؤى وقرارات الأجيال الجديدة فى تعاملهم مع مصر كما نوهت بالمقال السابق! وهذا يقودنا لأزمة تربية أجيال فرنسية تحمل وتكيف رموزا تُهين شعوبا أخرى، فيتناقضون بين قيم الإنسانية النظرية والممارسات الجمالية الاستعلائية، أو بما يُعرف بالازدواج الأخلاقى فى الفكر الفرنسى المعاصر (إنسانية نظرية، وهيمنة رمزية واقعية)! فيتآكل الحوار الثقافى المشترك، بمد فهم فرنسى أُحادى متقنع بثقافة كونية، يغيب عنها قبول التفسير النقدى للرموز التاريخية بدون مساءلة، فتنتج جيلا لا يميز بين الفن الذى يعبّر عن الإنسان وذلك المهيمن عليه!
أكاد أتصور مشهدا لخريج من ثانوية شامبليون جاء لمصر باحثا، أو أثريا، أو سفيرا، أو خبيرا، أو مفاوضا إلخ وهو يحمل فى حقيبته الفكرية نسخة من تمثال شامبليون، تجعله يعيد إنتاج عقدة (المُخلص الأوروبي) فى التعامل معنا! فماذا لو التقى المخلص الأوروبى الجديد مع زميله المصرى الذى نشأ وتربى بدوره على تحمل ومعايشة معنى ورمزية قضيتى تمثال شامبليون، دون أن يرفع إصبع الكرامة أو سيف الوعي؟
فهل تنتبه مصر ووزارتى التربية والتعليم والتعليم العالى لهاتين القضيتين؟
* محامى وكاتب مصرى