خواطر مواطن مهموم 312.. عن الرئيس ماكرون

سمعت وقرأت كمًّا هائلا من آراء تحاول تفسير ظاهرة كثرة الأخطاء الجسيمة التى ارتكبها هذا الرئيس

توفيق اكليمندوس

سيتوقف المؤرخون طويلا أمام شخصية الرئيس ماكرون ومساره، وسيحاولون الرد على سؤال يفرض نفسه... كيف ولماذا ارتكب شخص يتفق الجميع على اعتباره ذكيا هذا الكم من الأخطاء الكارثية؟

هناك طبعا أوضاع تكون فيها كل الخيارات سيئة ومريرة، ولا شك أن المشهد الفرنسى الحالى ينتمى إلى هذا النوع. لا يتمتع أى حزب ولا أى تكتل بأغلبية فى البرلمان، معالجة الأزمة المالية الفرنسية تتطلب أولا إجراءات تقشفية لن يرضى بها الشعب، وثانيا مراجعة شاملة لهياكل الدولة وآليات عملها، فرنسا على أعتاب انتخابات رئاسية... فى أبريل 2027 وربما قبل ذلك، الرئيس لا أغلبية له ورجاله غاضبون منه لا يثقون فيه، ولا يريد أى من الفرقاء تحمل مسؤولية إجراءات غير شعبية، حتى لا يخسروا فرصهم فى الفوز بالرئاسة، والكل يزايد، كأن حل مشكلة الدين يقتضى مزيدا من الإنفاق الاجتماعى ومزيدا من تقليل ساعات العمل!!

ولكن هناك كمًّا من الأخطاء “الطوعية” لا يمكن تفسيرها بضغط الأحداث ولا بتفاهة صاحب القرار أو جهله. لعل أشهرها قراره بحل مجلس الأمة فى يونيو 2024 فى توقيت بالغ الغرابة... وهناك المئات من الأمثلة الأخرى... مثلا ما الذى دفع رئيس دولة إلى القول... عندما أذهب إلى محطة سكة حديد أجد كمًّا هائلا من الذين لا يساوون شيئا – علما بأن ترجمتى لهذا التصريح تخفف من طابعه المهين.

سمعت وقرأت كمًّا هائلا من آراء تحاول تفسير ظاهرة كثرة الأخطاء الجسيمة التى ارتكبها هذا الرئيس، أغلبها يلجأ إلى عوامل نفسية، بعضها خاص بالرئيس وبعض آخر يتحدث عن سمات يشترك فيها أعضاء النخب من أبناء جيله. من نافلة القول أننى لن أخصص وقتا لذكر وتفنيد أكاذيب أطلقتها أجهزة إعلامية لدول تعادى فرنسا بل سأحاول ذكر ما قاله بعض من تعامل معه أو من درس مشواره.

الكل يتحدث عن نرجسية الرئيس، وحبه للظهور الإعلامى ورغبته فى تصدر الأخبار، يشيرون أيضا إلى عجز عن “ضبط” كلامه، ويقول البعض إن شخصا قطع علاقته مع والده ووالدته ولا أبناء ولا بنات له لا يعرف كيفية بناء وإدارة علاقات إنسانية. يقول بعض آخر إن الرئيس أحب فى سن المراهقة مدرسته وتزوجها، وأن أهله ومعارفه قالوا له أيامها إن هذه الزيجة ستفشل ولن تستمر، ولكنها نجحت ودامت، وأن هذا النجاح الذى لم يتوقعه أحد أدى إلى ثقة مفرطة فى حسن تقديره للأمور، وشك متأصل عميق فى آراء الآخرين.

هناك من يشير إلى أن الرئيس كان الأول أو من الأوائل على دفعته، وأن رؤيته للنظام الدولى وللمجتمع الفرنسى تشكلت أيام الدراسة الجامعية، أى فى النصف الأول من التسعينيات، وأنه من ناحية لم يفهم أن تفوقه على زملائه لا يعنى أنه دائما محق وأنهم دائما على خطأ، كما لا يعنى أنه احتفظ بتفوقه عليهم فى المواد التى لم يحتج إليها فى بدايات مشواره المهنى فى وزارة المالية وفى البنوك. ومن ناحية أخرى لم يفهم بسرعة أن عالم اليوم ليس عالم شبابه. قد تكون النقطة الأخيرة ظالمة، شخصيا أجد صعوبة فى تصديقها.

هناك من أشار إلى عاملين يفسران عددًا من أخطائه، المفارقة أن أولهما هو أيضا نقطة قوة له، وهو عدم تقيده بمقولات وبمحاذير وبثوابت، لا يجد الرئيس ماكرون غضاضة فى تبنى سياسات لم تختبر، وفى محاولة حل مشاكل بأساليب جديدة، ولكن الجديد قد يكون أحيانا خطأ جسيما. والثانى هو عدم انتمائه إلى حزب أو إلى مدرسة فكرية، قال لى صديق... لا يمكن لأحد أن يفهم فى كل الملفات، وعلى القائد عندما لا يعرف ملفًا أن يلجأ إلى المعارف المتراكمة فى حزبه أو فى الدولة، وأضيف من ناحيتى أن من لا يفهم الثقافات السياسية للفرقاء، يعجز عن توقع ردود الأفعال.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية