(52) قضية مدرسة شامبليون الثانوية!

لم يعد همّنا الآن كمصريين إعادة نسخة تمثال شامبليون 1875 لمتحف بارتولدى فى كولمار ولكن شمول التصحيح لمعنى جديد

محمد بكري

على مدار مقالاتى الـ51 بجريدة “المال” المصرية من ديسمبر 2022، ومع جهود العديدين من المصريين المخلصين مثل أ. هشام جاد بباريس ود. وسيم السيسى، كنا نناضل ضد نسخة تمثال شامبليون 1875 بساحة الشرف فى الكوليدج دى فرانس/ السوربون بباريس، داعسا بحذائه على رأس الملك المصرى القديم (وهى نسخة موجودة بالفعل ومختلف حول هوية رأس الملك هل هو رمسيس الثانى أم تحتمس الثالث أم أخناتون)، وهى النسخة المُعدلة للتمثال الأصلى 1867 بمعرض باريس إكسبو للأثار المصرية، وشامبليون يدعس على رأس تمثال أبو الهول! (نسخة التمثال منشورة بجريدة Le Journal illustre) ومن أيام قليلة فاجأنى صديقى م. محمد حشمت اثناء زيارته لباريس بصورة تمثال برونزى حديث وضخم لشامبليون بارتفاع مترين فى موقع آخر! وبتحرى موقع وخلفيات وجود هذه النسخة (الخطيرة) تبين المعلومات الموثقة التالية:

“فى عام 1867، صنع بارتولدى تمثالًا من الجبس لشامبليون عُرض فى المعرض العالمى فى حديقة مارييت المصرية بساحة شان دو مارس. (نسخة حذائه على أبو الهول). فى عام 1905، تبرعت أرملة بارتولدى بهذا العمل لمدينة جرونوبل (النسخة المُعدلة للحذاء على رأس الملك المصرى القديم)، وأُودع فى متحف الفنون الجميلة. فى عام 1926، عُرض لأول مرة فى فناء مدرسة شامبليون الثانوية. فى عام 1995، قرر مجلس مدينة غرونوبل نقل قالب الجبس إلى متحف جرونوبل لحمايته وعرضه على أكبر عدد ممكن من الزوار. وقد حفّز هذا النقل ألف طالب وطالبة من طلاب المرحلة الثانوية، مما أسفر عن التزامهم بتركيب نسخة من قالب الجبس فى المقابل. أُنجز هذا العمل عام 1999. أسفرت حملة جمع تبرعات بالتعاون مع جمعية خريجى شامبليون عن نسخة برونزية (طولها متران ووزنها 800 كجم) معروضة الآن فى الساحة الرئيسية للمدرسة الثانوية على شكل مثلث فيثاغورس. وأخيرًا، شهد عام 2016 بداية أعمال تجديد مدرسة شامبليون الثانوية، بما فى ذلك بناء صالة رياضية جديدة وإعادة تطوير كافتيريا المدرسة والمدرسة الداخلية. واكتمل العمل عام 2021”.

أكثر من مرة ناقشت مقالاتى أضرار التماثيل المُسيئة فى الفضاء العام، خاصة عندما تتحدى مشاعر وكرامة وتاريخ الآخرين، وإذا كان النضال الأساسى تأسس ضد نسخة شامبليون 1875 بالسوربون، لما تثبته من إدانة بارتولدى بالمسؤولية الفنية التقصيرية لتوفر قصد الإساءة الثقافية والتاريخية لمصر (بوضعية الحذاء على رأس الملك)، على خلفية خلافه القديم مع الخديوى إسماعيل (وهو خلاف مُثبت فى المراجع التاريخية برفض إسماعيل لتنفيذ تمثال بارتولدى “مصر تنير الطريق لآسيا” بمدخل قناة السويس 1869)، فإن نسخة التمثال البرونزية بمدرسة شامبليون الثانوية بجرونوبل، تفتح بُعدا جديدا لعمدية الإساءة الحديثة فى قضية تمثال شامبليون! الذى تأكد تحوله (لمعنى) ترسخ فى الثقافة والعقلية الفرنسية بالتفوق العلمى والبحثى لدرجة العنصرية الثقافية على رأس الإنسان والتاريخ! الموضوع لم يعد نسخة تمثال قديم من 150 سنة! ولكن نسخة حديثة من معنى مزدوج فى (الوعى الجمعي) لدى الشباب الفرنسى، شمل تخليد شامبليون ذاتيا – وهذا حق فرنسى بحت - واستمرار دعسه لمعنى التاريخ المصرى – وهذا حق مصرى بحت! هذا المعنى الجديد دلالة سلبية على استمرار أثر كل الأضرار الشامبليونية على مصر والمصريين منذ 1875 وحتى اليوم وغدا، وإلى أن تتصدى الدولة الفرنسية لتصحيح هذا المعنى المُشين لمبادئ الثورة الفرنسية ذاتها (حرية. مساواة. إخاء) التى يحطمها التمثال القديم والجديد على السواء! 

إن اجتماع ألف من طلاب ثانوية شامبليون لتكريس جديد لهذا العار المُجسم، ينقل المعنى من ساحة الجامعة ومدخل قسم الدراسات المصرية بالسوربون، إلى ساحة المدرسة الثانوية أحد معاقل تشكيل الوعى الشبابى، الذى يُطلق فى الفضاء عقليات وآراء وثقافات جديدة، ترسخ لآثار معنى قديم بتداعيات رؤى جديدة! مُثبتا ان الفن أداة تاريخية متحركة للهيمنة! (فكل من ينظر للتمثال سيرى مجدنا مخفيًا بين طيات الحجر) لتكون الرؤية المعاصرة أن الحذاء فوق رأس الملك ليست إهانة، بل رسالة! فنحن نحترم التاريخ، لكننا نُعيد تشكيله ليخدم رسالتنا! (فما يحكم العالم ليس ما يُرى، بل ما يُخفى).

لم يعد همّنا الآن كمصريين إعادة نسخة تمثال شامبليون 1875 لمتحف بارتولدى فى كولمار، ولكن شمول التصحيح لمعنى جديد رسّخ العنصرية الثقافية فى عقول الشباب الفرنسى المنطلق لشتى مجالات الحياة بذات قناعات بارتولدى الخبيثة (ولو على غير علم حقيقى منهم بالخلفية التاريخية للتمثال ورمزيته)!

من غير المقبول مصريا أن تتجدد حياة تمثال العار، بإعادة إنتاج الإهانة فى نظام التعليم الفرنسى الحديث، لترزح فيه مصر الحديثة تحت حذاء خطأ تاريخى فادح مسكوت عنه! عمليا متوقع أن يشمل مستقبل خريجى شامبليون الثانوية سفراء، وزراء، باحثين، مؤلفين، فنانين إلخ وجميعهم سيخرجون للعالم بحذاء جديد على رأس تاريخ وحاضر مصر القديمة والحديثة معا، فى مستقبل ثقافى ملوّث بمعنى استعلائى خفي! حتى لو كل هذه الأبعاد غير منظورة أو متجاوزة للمعانى الفرنسية أو ثانوية شامبليون، ولكن واقعيا فالمعنى يتأصل ثقافيا وتاريخيا بأنماط جديدة من التعامل مع التاريخ ومصر والمصريين.

الدبلوماسية الثقافية لا تعنى التلاعب بالتاريخ أو تأزيمه أو تقزيمه، بل القدرة على حل الخلافات دون إشعالها! لنتطور من سؤال (كيف نزيل إساءة تماثيل شامبليون؟) إلى (كيف نحول مناقشات معنى التمثال إلى جسرٍ للمصالحة بين خطأ فنى فردى ووعى جمعى مصرى موجوع، ووعى فرنسى مضلَّل بتراث فنانٍ لم يُدرك خطورة رمزه؟). الهدف الحقيقى الآن تحويل الناس فى مصر وفرنسا والعالم، للحديث عن أنفسهم فى معنى تمثال شامبليون القديم والحديث! هل أنت كإنسان مع الواقف أم مع المدعوس؟ هل مع السلطة التى صنعت التمثال أم مع الضمير الذى يُسائله؟ هل مع استمرار الريادة الحديثة ولو بالدعس على أخيك الإنسان، أم تكافح مع رأس مجذوذ ولو كان ملكا؟ 

قضية مصر والمصريين تطورت بدورها، وتجاوزت ساحة الشرف التاريخية بالسوربون لساحة مدرسة شامبليون الثانوية، لإعادة بناء المعنى الإنسانى من داخل الأزمة نفسها! مؤكدة لرؤية كل مقالاتى السابقة بأننا بصدد معنى توغل ومستمر تحت السطح، وعاد للحياة يثمر رؤى جديدة سنعرف صداها قريبا فى السياسة، والاقتصاد، والتعليم، والسياحة! تطور النضال أصبح ضد المعنى ذاته الذى جسده بارتولدى فى تمثاله المُريب، وهذه مرحلة جديدة لها أدواتها المستقلة والمُركزة على تأصيل تفسيره تاريخيا لتصحيح معناه فى الوعى العام، فلا شك أن الثورة أعظم ما أنتجته فرنسا، ولكن واقعيا فتمثال شامبليون بعهديه هو رمز سيطرة الفكر الأوروبى على العالم القديم! فإذا حُل لغزه، ستفقد جزءًا من إرث يثبت عظمة الحضارة الأوروبية! ومع ذلك فلن تتوقف القضية ولو كنا مثل عجوز يحمل مصباحا، فسيصل وجهته فى النهاية قبل الفارس الذى يتسكع فى الظلام!

* محامى وكاتب مصرى

[email protected]