تُمثّل الأسواق الناشئة محركًا أساسيًّا للنمو الاقتصادى العالمى فى العقدين الأخيرين، حيث تجذب مستثمرين من مختلف أنحاء العالم بفضل إمكانات نموّها المرتفعة وعوائدها الجذابة. لكن هذه الأسواق، رغم بريقها الواضح، تُخفى تحتها عواصف من المخاطر والتحديات التى تتطلب فهمًا عميقًا وإستراتيجيات مدروسة للاستفادة من فرصها وتجنب مزالقها، ففى حين تُشكل دول مثل الصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا والمملكة العربية السعودية والإمارات قوى اقتصادية متعاظمة تجذب المستثمرين من مختلف أنحاء العالم، إلا أن هذه الأسواق - رغم تنوعها - تجمع بين فرص نمو هائلة ومخاطر لا يمكن تجاهلها، مما يجعل فهم هذه المعادلة ضروريًّا لكل مستثمر أو متابع للشئون الاقتصادية والأسواق المالية على حد سواء.
ويبقى السؤال الذى يفرض نفسه: لماذا تتجه الأنظار نحو الأسواق الناشئة؟
لعل السبب الأهم يتمثل فى معدلات النمو المرتفعة؛ حيث النمو الاقتصادى المتسارع، فتتميز هذه الاقتصادات بمعدلات نمو غالبًا ما تفوق تلك السائدة فى الاقتصادات المتقدمة؛ بفضل التوسع فى الاستهلاك المحلى وزيادة الاستثمارات الحكومية والخاصة. وتتمتع اقتصادات الأسواق الناشئة بمعدلات نمو غالبًا ما تتجاوز %5 سنويًّا، مقارنة بـ2 - %3 فى الاقتصادات المتقدمة، ومثل هذه الأسواق كبلاد الهند، وفيتنام، وإندونيسيا تشهد نموًّا قويًّا فى الناتج المحلى الإجمالى.
ثانى هذه الأسباب يتثمل فى التركيبة السكانية الشابة، حيث تمتلك هذه الأسواق عددًا كبيرًا من الشباب، مما يضمن قوة عاملة متجددة وسوقًا استهلاكية متعطشة للسلع والخدمات.
ثم يأتى سبب التطور التكنولوجى السريع، حيث يقفز العديد من الاقتصادات الناشئة مباشرةً إلى أحدث التقنيات دون عبء البنى التحتية التقليدية، كما هى الحال فى الانتشار السريع للخدمات المالية الرقمية فى كينيا، عبر نظام M-Pesa.
ولا نستطيع أن نُغفل التقييمات الجذابة، حيث إنه كثيرًا ما تتداول أسهم الشركات فى هذه الأسواق بمضاعفات أرباح أقل من نظيراتها فى الأسواق المتقدمة، مما يوفر فرص شراء بالقيمة.
وختام هذه الأسباب يتمثل فى الموارد الطبيعية، حيث يزخر العديد من هذه الأسواق الناشئة بثروات طبيعية هائلة؛ من النفط والغاز فى الشرق الأوسط، إلى المعادن فى أفريقيا وأمريكا اللاتينية.
أما عن المخاطر المرتقبة التى يمكن رصدها أو التنبؤ بها فإنها تتمثل فى مجموعة من التحديات التى تواجه المستثمرين، لعل أهمها هو التقلبات الحادة والسيولة المحدودة، حيث يمكن أن تشهد هذه الأسواق تقلبات أسعار حادة بسبب هروب رءوس الأموال السريعة عند أى صدمة عالمية، وأيضًا مخاطر العملة، حيث إن تقلبات أسعار الصرف قد تؤثر بشكل كبير على عوائد المستثمرين الأجانب، بل قد تأكلها، حتى لو حققت استثماراتهم أرباحًا محلية.
ثانى هذه المخاطر يتمثل فى التقلبات السياسية والاقتصادية التى يعانى منها العديد من الاقتصادات الناشئة، مثل عدم الاستقرار السياسى وتقلبات أسعار الصرف ومخاطر التضخم المرتفع، حيث يمكن أن تؤدى التغيرات فى السياسات الحكومية أو الانتخابات إلى إرباك الأسواق فجأة.
ولا يمكن أن نُغفل ضعف البنى التحتية، حيث تُشكل قصور البنى التحتية - من طرق واتصالات وأنظمة طاقة - عائقًا كبيرًا أمام النمو المستدام فى كثير من هذه الأسواق الناشئة.
وكثيرًا ما يتبادر إلى الذهن مخاطر الحوكمة فى هذه الأسواق الناشئة، حيث تتفاوت معايير الشفافية والحوكمة فى هذه الأسواق، مما قد يزيد من مخاطر الفساد وضعف حماية حقوق المستثمرين، وقد لا تلتزم بعض الشركات بمعايير الإفصاح العالية، مما يُصعب عملية تقييمها بدقة.
وقد يكون التأثر بالصدمات الخارجية أحد المخاطر التى تواجه الأسواق الناشئة، حيث إنه غالبًا ما تكون الاقتصادات الناشئة أكثر عرضة لتأثيرات التغيرات فى الاقتصاد العالمى وتقلبات أسعار السلع الأساسية، فقرارات رفع الفائدة فى الولايات المتحدة، أو تباطؤ الاقتصاد الصينى، تؤثر بشكل مباشر على تدفقات الاستثمار لهذه الأسواق.
وبين الفرص المرتقبة والمخاطر المنتظرة ما هى إستراتيجيات الاستثمار الذكية فى الأسواق الناشئة.
يجب على المستثمر فى الأسواق الناشئة معرفة إستراتيجيات الاستثمار الذكية، مثل إستراتيجية التنويع الجغرافى والقطاعي؛ بمعنى عدم التركيز على سوق ناشئة واحدة، والانتشار عبر عدة دول وقطاعات، ودائمًا يبقى التنويع عبر قطاعات متعددة ودول مختلفة من أهم وسائل إدارة المخاطر فى هذه الأسواق.
ثم تأتى إستراتيجية الاستثمار طويل الأجل، حيث تتبنى أفقًا استثماريًّا يتراوح بين 5 و10 سنوات لتجاوز تقلبات المدى القصير، حيث إن الاستثمار فى الأسواق الناشئة يتطلب نظرة بعيدة المدى لامتصاص التقلبات قصيرة الأجل، والاستفادة من اتجاهات النمو طويلة الأجل.
ويمكن الاعتماد على صناديق الاستثمار المتداولة (ETFs) كوسيلة مثالية للمستثمرين الأفراد للوصول إلى محفظة متنوعة من الأسواق الناشئة بتكلفة منخفضة، والتركيز على الشركات ذات الحوكمة القوية؛ لأن اختيار الشركات التى تلتزم بمعايير عالية من الشفافية والإفصاح يجعل الاستثمار أكثر أمانًا وأكثر نموًّا، وأخيرًا مراقبة المؤشرات الاقتصادية الكلية حيث تتم متابعة معدلات التضخم، وعجز الموازنة، ومستويات الدَّين الخارجى للدول ذات الأسواق الناشئة التى تريد الاستثمار فيها.
وختامًا نقول إن الأسواق الناشئة تشبه الأحجار الكريمة الخام التى تحتاج إلى خبرة وصبر لاستخراج كنوزها الحقيقية وخباياها الثمينة، وليست طريقًا مختصرًا للثراء السريع، بل تحتاج إلى رؤية إستراتيجية وإدارة مُحكمة للمخاطر.
والمستثمر الذكى هو من يفهم طبيعة هذه الأسواق المزدوجة، فيستفيد من فرص نموها الهائلة، مع وضع إستراتيجيات واضحة للتحوط من مخاطرها المتعددة والتخارج السريع وقت الأزمات. فى النهاية، قد تكون الأسواق الناشئة الرهان الأفضل للمستثمرين الذين يبحثون عن عوائد أعلى ويستطيعون تحمّل قدر من المخاطرة فى محافظهم الاستثمارية، وإن النجاح فى هذه الأسواق لا يعتمد فحسب على اختيار المكان المناسب، بل أيضًا على اختيار التوقيت المناسب والصبر الطويل، مما يجعلها رحلةً مليئةً بالتحديات، ولكنها مُجزيةً للمستثمرين الواقعيين والمستعدين جيدًا.
* شركة/ زيلا كابيتال للاستثمارات المالية