هكذا تكلما
استمعت هذا الأسبوع إلى شهادة الدكتور توماس جومار، مدير المعهد الفرنسى للعلاقات الدولية، أمام مجلس شيوخ بلاده، وإلى ما قاله وليام بيرنز، مدير المخابرات المركزية الأمريكية السابق، فى مقابلة نظمتها مؤسسة كارنيجى.
الأول تكلم باستفاضة عن المشهد الإستراتيجى العالمى، والثانى تطرق إليه عدة مرات، ضمن موضوعات أخرى. جومار باحث موهوب، له قدرة هائلة على الربط بين الاقتصاد وعلم السكان والأمن القومى والإستراتيجية، ويهتم بتأثير طبيعة النظم السياسية ومدركات القادة على السياسة الخارجية. نقطة ضعفه النسبية هى عدم اهتمامه بأفريقيا وبأمريكا اللاتينية، ولكنه قارئ عميق للتفاعلات بين الدول الكبرى، بيرنز دبلوماسى مرموق له فهم عميق للدوافع النفسية للشعوب والقادة، وللثقافة المؤسسية لكل من وزارة الخارجية الأمريكية ولوكالة المخابرات المركزية.
جومار تكلم بسرعة عن عجز الدول الغربية عن التنبؤ، فالأحداث والتطورات دائما تفاجئها، وفسر هذا بعدم فهمها لآليات عمل أنظمة الدول لا سيما الدول المعادية، على رأسها روسيا، ولمدركات قياداتها، وأضاف أن براعة الدبلوماسية الروسية من أسباب هذا الفشل، وقال إنه لا أحد فى الغرب تنبأ بقدرة أوكرانيا على الصمود سنوات.
وكنت قد سمعت منذ عدة أشهر “بودكاست” لخبيرة ألمانية بارزة، تعمل فى “الناتو”، تقول إن ست دول فقط من دول “الناتو” تدرك أهمية التنبؤ وتتقن فنونه، وهى بترتيب الكفاءة: فنلندا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وإسبانيا والبرتغال، بيرنز قال إنه تفاعل مع الرئيس بوتين عشرات المرات منذ توليه السلطة – كدبلوماسى يخدم فى موسكو وكمدير للمخابرات، وأنه كان واضحا منذ البدايات رفض الرئيس الروسى لوجود أوكرانيا مستقلة، وإصراره على مد سيطرته عليها. وسمعت من كوادر فرنسية التشخيص نفسه عدة مرات منذ 2004.
قال الدكتور جومار إن اللاعبَين الكبيرين – الولايات المتحدة والصين – باتا يعتبران الحرب الروسية الأوكرانية حربا هامشية بعيدة عن المسرح الحقيقى – المحيطين الهندى والهادى-، نتيجتها الرئيسة إضعاف كل من روسيا وأوروبا إضعافا يفاقم من تأخرهما عن الكبيرين، ولفت الدكتور النظر إلى الأهمية التاريخية لبعض المستجدات، تأثير الأدوار الصينية والكورية الشمالية والإيرانية الداعمة لروسيا من ناحية، وتأثير اليابان وكوريا الجنوبية الداعمتين لأوكرانيا وبولندا من ناحية أخرى، فى الحرب التى تجرى على المسرح الأوروبى أهم معا بكثير من التأثير الأوروبى على المسرح الآسيوى.
أوروبا – بما فيها روسيا- ضعفت، وإلى الآن يفشل الاتحاد الأوروبى فى تحقيق هدفيه الرئيسيين، إيقاف الحرب الروسية الأوكرانية والاحتفاظ بحماية أمريكية مضمونة ورادعة، وفى سبيل إرضاء واشنطن قدم الاتحاد كمًّا من التنازلات وقبل عددا من الإهانات، ولم يحصل فى المقابل على ما يريد، وإضافة إلى ذلك كشفت الأحداث الأخيرة عن عجز مريع فى القدرات الدفاعية القادرة على التصدى للمسيرات. وهذه الأحداث – انتهاك الروس لأجواء دول الناتو- أبرزت الفوارق الضخمة بين الأوكرانيين والأوروبيين وحاجة أوروبا (والولايات المتحدة) إلى التعلم من الدولة الصامدة صمودا بطوليا. وأشار تقرير لمركز “ستراتفور” إلى أن إقامة درع طائرات مسيرة لحماية أوروبا أمر صعب – لاتساع الجبهة- وسيستغرق وقتا طويلا.
وقال الدكتور إن المقاربة بين أداء جيش إسرائيل وأداء الجيش الروسى ليست فى صالح الثانى.
وذكر الدكتور جومار أن مقاربة أوروبا لملف “النووى الإيراني” سعت إلى تحقيق أمرين... عدم حصول إيران على القنبلة النووية... وعدم قيام طرف بقصف إيران ومنشآتها النووية، ومن الواضح أن الركن الثانى انهار وأن الأول بعيد المنال، إذ إن إيران قد تزداد إصرارا على الحصول على السلاح النووى بعد ما حدث.
من ناحيته، قال برنز إن المواجهة مع الصين تتطلب من الولايات المتحدة الحفاظ على أهم ميزة نسبية تتمتع بها، وهى شبكة حلفائها وشركائها، والعمل على بناء تحالفات وشراكات جديدة، أى أوصى بعكس ما تفعله الإدارة الحالية، وأختتم مقالى بقول آخر لجومار... لا أحد يعلم من سيتفوق على الآخر... الهند أم الصين.
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية