محمود الحلفاوي يكتب.. المخاطر الجيوسياسية وتأثيرها على الأسواق الـمالية

تغيير السياسات الأمريكية تجاه المنطقة أو فرض عقوبات على دول مجاورة قد يخلق بيئة غير مستقرة

محمود الحلفاوي

تعالت أصوات الحرب فى الفترة الأخيرة ودقت طبولها، ولم ينج أحدٌ من ويلاتها سواء أثرت عليه مباشرةً أو لحقته تباعتها، وفى عالم أصبح أكثر ترابطًا من أى وقت مضى، لم تعد الأسواق المالية تعمل بمعزل عن الأحداث السياسية والصراعات الدولية المحيطة بنا. ويمكن القول إن المخاطر الجيوسياسية تُعد أحد العوامل الرئيسية التى تؤثر على استقرار الأسواق المالية المحلية والدولية على حد سواء، ومصر ليست بمنأى عن هذه التأثيرات، تشمل هذه المخاطر الصراعات الإقليمية، والتوترات التجارية، وتغيير الأنظمة السياسية، والاضطرابات الاجتماعية، والتى تنعكس بشكلٍ مباشرٍ على ثقة المستثمرين العرب والأجانب وأداء البورصات.

لكن السؤال المهم هو كيف تؤثر المخاطر الجيوسياسية على الأسواق المالية؟

يظهر تأثير المخاطر الجيوسياسية على الأسواق المالية فى عدة أوجه منها: تقلبات أسعار العملات والسلع حيث تؤدى الأزمات الجيوسياسية إلى ارتفاع أسعار النفط والذهب كملاذات آمنة للتحوط، بينما تتراجع العملات المحلية فى الدول المتأثرة بالصراعات بصورة مباشرة فيصعد سعر الذهب أثناء الأزمات الدولية، وعلى النقيض من ذلك تنخفض قيمة الجنيه المصرى أثناء فترات التوتر الإقليمى، وأيضاً يظهر هذا التأثير فى هروب رؤوس الأموال حيث يلجأ المستثمرون الأجانب إلى سحب استثماراتهم من الأسواق الناشئة ونقلها إلى أسواق أكثر استقرارًا (مثل الولايات المتحدة أو أوروبا) لضمان عدم المساس باستثماراتهم وعدم تهديدها. وبالتالى يؤدى ذلك إلى انخفاض السيولة فى البورصة وتراجع المؤشرات الرئيسية لها.

ولعل أبرز تأثير للمخاطر الجيوسياسية على الأسواق المالية يتمثل فى ارتفاع تكلفة الاقتراض ومن ثَمَّ تزيد المخاطر الجيوسياسية من الضمانات التى تطلبها الجهات الـمقرضة (مثل صندوق النقد الدولى على سبيل المثال) لتقديم قروض للدول، مما يرفع تكلفة خدمة الديون ويؤثر على إمكانية سدادها بشكل مباشر، وأيضاً يظهر هذا التأثير للمخاطر الجيوسياسية فى اضطراب سلاسل الإمداد والتوريد فالصراعات الدولية - مثل الحرب الأوكرانية الروسية وأزمات البحر الأحمر - تُعطّل تدفق السلع والخدمات بشكلٍ كبيرٍ، مما يؤثر على أرباح الشركات المدرجة فى البورصة وبالتالى تنخفض بصورة كبيرة، وهذه الحروب أدت إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، مما أثر ذلك على قطاعات مثل السلع الأساسية والطاقة والملاحة وغيرها من القطاعات الهامة، وانعكس ذلك على أداء بعض الشركات بسبب ارتفاع التكاليف التشغيلية، وهذه التوترات الإقليمية فى الشرق الأوسط تؤثر بشكل مباشر على تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر، حيث تمثل مصر وجهة جاذبة للمستثمرين العرب والأوروبيين على حدٍ سواء.

ومن جهة فإن تغيير السياسات الأمريكية تجاه المنطقة أو فرض عقوبات على دول مجاورة قد يخلق بيئة غير مستقرة تنعكس بالطبع على البورصات المحلية ودول المنطقة أيضاً.

ويمكن القول إنه يمكن للبورصة المصرية التكيف مع هذه المخاطر الجيوسياسية عن طريق تنويع الاقتصاد حيث يتم تقليل الاعتماد على القطاعات شديدة الحساسية للصدمات الخارجية (مثل السياحة والطاقة) ودعم قطاعات التكنولوجيا والتصنيع والزراعة، وأيضاً عن طريق جذب استثمارات محلية وعربية وذلك بتعزيز دور الصناديق السيادية والمستثمرين المحليين لتعويض انسحاب المستثمرين الأجانب من البورصة، ويمكن أيضاً من خلال تعزيز الشفافية والحوكمة بتحسين إفصاحات الشركات المدرجة واتباع معايير حوكمة رفيعة تعزز ثقة المستثمرين فى هذه الشركات والاستثمار فيها، ويمكن الاستفادة من الاتفاقيات الدولية مثل اتفاقيات التبادل التجارى مع دول أفريقيا وآسيا لتخفيف الاعتماد على الأسواق التقليدية.

وفى الختام نقول على الرغم من أن المخاطر الجيوسياسية تظل تحديًا كبيرًا للبورصة المصرية، فإنها أيضًا تخلق فرصًا للمستثمرين الأذكياء الذين يستطيعون قراءة المشهد الدولى والتكيف معه بل أيضاً الاستفادة من التقلبات المحلية والدولية. وعلى المدى الطويل، فإن بناء اقتصاد متنوع ومرن هو السبيل الأمثل لتخفيف الآثار السلبية لهذه المخاطر. ويجب على المستثمرين مراقبة هذه العوامل واعتماد استراتيجيات استثمارية تتضمن التنويع وإدارة المخاطر لحماية محافظهم الاستثمارية فى أوقات الأزمات والأوقات المضطربة.

انتهى،،

شركة/ زيلا كابيتال للاستثمارات المالية

محمود الحلفاوي