(51) لماذا يُخفى الإعلام شامبليون؟

الصمت الإعلامى عن إهانة شامبليون لا يُنتج فقط جهلًا بالواقعة، بل يُنتج نسيانًا للإهانة ذاتها!

محمد بكري

دوما، الإعلام هو الجهاز العصبى للوعى الجمعى، ليس فقط لنقل الخبر، بل لتشكيل الرؤية، وتحديد ما يُرى وما يُخفى، وما يُقدَّس وما يُداس! ومن هنا نتساءل بمنتهى الجدية: أين قضية شامبليون فى الإعلام المصرى والفرنسى والعالمى؟ ولماذا الحرص على إخفاء أو تهوين أو تبرير إهانة نسخة تمثال شامبليون 1875 يدعس بحذائه رأس الملك المصرى القديم منذ 150 عاما؟ الإخفاء الإعلامى ليس غيابًا عرضيًا، بل هو حذف مقصود يُدار بآليات دقيقة! تطبيع الإهانة، واختزال الحضارة فى ماضٍ ميت، وإقصاء ما يُربك السرد الغربى. الإعلام لا يتجاهل تمثال شامبليون لأنه غير مهم، بل لأنه خطير جدًا! فهو يفضح أن “حرية الإبداع” قد تُستخدم كقناع للإهانة الرمزية. عندما يُختزل التمثال إلى “قصة فنية” أو “طرفة تاريخية”، يُمحى منه جوهره، كانتقام نحات من أمة رفضته، فداس كرامتها بحذائه! هذا الإخفاء ليس تقصيرًا، بل هو جزء من منظومة تُنتج الصمت، المُنتج للخنوع، المُثمر قبولًا دائمًا بالوضع القائم (الغرب فوق الشرق، والفرنسى فوق التاريخ)!

الصمت الإعلامى عن إهانة شامبليون لا يُنتج فقط جهلًا بالواقعة، بل يُنتج نسيانًا للإهانة ذاتها! وهذا هو العنف الرمزى الأشد فتكًا! أن تُهان، ولا تشعر بالإهانة، أن يُداس رأس ملكك، وأنت تمرّ أمامه أو تسمع أو تقرأ عنه يوميًا دون غضب! أن يُروى لك التاريخ كقصة ‘فن وحضارة’، لا كقصة ‘انتقام واستعلاء’! كما قال فرانز فانون ‘أعظم عنف استعمارى هو جعل الضحية تنسى أنها مُهانة’. الصمت هنا ليس فراغًا، بل هو سلاح يُفرغ الكرامة من مضمونها، ويُحول الإهانة إلى منظر عادى، ويُقنع الجيل بعد الجيل أن (هذا هو الطبيعي) فلا يثور، ولا يطالب، ولا حتى يرى! استعادة الكرامة تبدأ إذًا بكسر هذا الصمت إعلاميا، لأن من لا يرى إهانته، لن يطالب بإزالتها!

ببساطة، الإعلام — المصرى والدولى — قرر ألا يرى شامبليون ليس لأنه غير موجود... بل لأنه (غير مرغوب فيه)، وليس لأنه لا يُهين... بل لأنه (يُهين كثيرًا)! مصريا؛ فهناك غياب موضوعى شبه تام فى الصحف القومية والخاصة، والقنوات التلفزيونية والإذاعية والسوشيال ميديا! حتى البرامج الحوارية التى تتناول “استعادة الآثار” (مثل نفرتيتى أو حجر رشيد)، لا تذكر شامبليون، رغم أنه جزء من السياق الاستعمارى نفسه! وببساطة أكثر، القضية “غير مرئية” إعلاميًا، ليس لأنها غير مهمة، بل لأنها غير مُدرجة فى “أجندة الوعي” التى يُحددها الإعلام! فى الإعلام المصرى منذ 2012 وحتى ديسمبر 2022 توقف الإعلام عند تقديم صورة (الغضب والاستياء الشعبي) من التمثال وتوجهات إزالته أو مقاومته بتمثال مقابل! بدون مناقشة أو عرض أو تفنيد موضوعى لرمزيته ودلالته وتحديد المسؤول عن أصل الإهانة واستمرارها حتى الآن! ونظرا لغياب وضعف تناول القضية فى الإعلام، أصبح التمثال “جزءًا من المشهد” — فلا يُنظر إليه كإهانة، بل كـ”تراث! وهو أفعل تطبيق لمقولة خبير الإعلام تشومسكى (أقوى وسيلة للسيطرة هى جعل الظلم يبدو طبيعيًا)! وهو ما يقودنا لرؤية الإعلام الغربى لمصر كحضارة غابرة، وبالتالى لا يُنظر إلى دوس رأس الملك كإهانة لشعب حى، بل كرمز “تاريخي” لا يمس أحدًا اليوم، كتحليل أدوار سعيد (الشرق فى العقل الغربى هو ماضٍ — وليس حاضرًا له كرامة)! وهنا يمكن فهم توجه الإعلام المصرى بعدم تعميق القضية لتجنب إحراج فرنسا الحليف الثقافى والسياسى والتعليمى لمصر! فيكون التهوين والإخفاء الإعلامى ليس مجرد “عدم تغطية” ولكن عنفًا رمزيًا منظمًا! 

لذلك؛ فسيكون طبيعيًا جدًا فهم أن غياب التغطية يؤدى لغياب الوعى، وانعدام المطالبة، لينتج استمرار الإهانة، وهو ما بلوره فانون بمقولته المُسبقة! المشكلة الحقيقية أن غياب الضغط الإعلامى يغيّب ويُضعف الضغط الدبلوماسى، ومنه التحرك الرسمي! والدولة لا تستطيع التحرك دون رأى عام، والرأى العام لا يُبنى دون إعلام! والإعلام لا يكذب، بل يحذف ما لا يناسب النظام! ويحقق فلسفة استمرار وتدجين الإهانة إعلاميا! فلا رؤية وعيوية للشعب ليفهم أصل العمل وسر الإهانة! فخطورة التمثال مساسه “بالكرامة الرمزية” لا “الملكية المادية”! فقضايا الملكية يمكن التفاوض عليها، أو تأجيلها، أو تبريرها بـ”اتفاقيات قديمة”، أما قضايا الكرامة، فهى (مساس مباشر بالهوية) ولا يمكن التغاضى عنها دون اعتراف بالذنب! ومن هنا يُفهم الحرج الفرنسى بأن أحد رموزها الثقافية أهان متعمدا حضارة أخرى! (ليخرج من فضاء حرية التعبير لحدود المسؤولية الفنية التقصيرية)، وعليه فالأفضل للجميع ألا يُرى هذا التمثال إعلاميا لتجنب كل النتائج السابقة، كى يستمر فى جفن الزمن والتطبيقات العملية فى العلاقة بين البلدين والمنظور العالمى لمصر، التى تحاول نحت تغييره بشراسة فى السنوات الأخيرة! 

يركز الإعلام فى (مسألة) شامبليون على ما يُسمح لنا بأن نراه! ويتجنب ما يُخفى عنا لنراه كـ(قضية)، تمس الهوية والكرامة المصرية! وبين رؤية المسألة وتعامل القضية بونا شاسعا! فالإعلام هو الجسر الذى يحوّل هذا الحق النظرى لقوة شعبية واقعية تشكل الوعى الجمعى، وتترقى بالمسألة لتكون قضية وطنية! ولا شك أن لدى مصر فى شامبليون (قضية) حقيقية تدعم توجهات الدولة حاليا فى مرحلة التحول للجمهورية الثانية، المحتم اعتبار الكرامة المصرية أحد أركانها الجوهرية، ويكون فى تحريك هذه القضية إعلاميا لدعم الجهود الثقافية/ الدبلوماسية فى إطار قانونى يقبله القانون الفرنسى، ما سيجعل الحق المصرى فى حماية الرمزية المعنوية للكرامة (شامبليون)، مكافئا عادلا لحماية الملكية المادية للتاريخ (نفرتيتى وحجر رشيد والزودياك)!

هنا يتجلى دور الإعلام كقوة واعية، لا تكتفى بإثارة الجماهير أو صناعة الترند، بل ترقى لإيقاظ الضمائر، واستعادة النخوة، وإعادة الإحساس للمواطن بكرامته التاريخية والرمزية. فدعس الحذاء الشامبليونى على هامة الملك المصرى ليس “تعبيرًا فنيًا” يُحمى بذريعة حرية الإبداع، بل هو — بمقاييس المسؤولية الفنية التقصيرية — جريمة رمزية مستمرة منذ 150 عامًا.

نحن لا نطالب بإزالة التمثال، بل بأن يُرى، ويُفهم، ويُعاد تأويله، لا كرمز لـ”إعجاب بارتولدى بشامبليون وتخليد أثره”، كما تفسره الكوليدج دى فرانس، بل كـوثيقة بصرية خالفت أصول الفن الإبداعى، وتحولت لوسيلة للانتقام الشخصى — وليس تمثيلًا للثقافة الفرنسية الحقيقية.

ومن هنا، فإن المطالبة بإعادة هذا التمثال لمتحف بارتولدى فى كولمار، يحفظ ويعتبر لفرنسا خصوصيتها الثقافية والتاريخية، ويفتح الباب أمام مناقشة موضوعية ونقد تاريخى حقيقى للتمثال كعمل فنى، بعيدًا عن التبريرات الرمزية التى تحوله إلى “نص حضاري”. فالمطالبة “بالكرامة المصرية” لا تعنى إنكار الحوار، بل تأسيسه على قاعدة من الاحترام المتبادل، لا الهيمنة الأحادية أو الفوقية الثقافية.

حان الوقت أن يُرفع هذا الملف من أدراج الصمت المُخطط لمنصات القرار الواعي؛ قانونيًا، إعلاميًا، ثقافيًا، ودبلوماسيًا، فمصر لا تستعيد حجارتها فقط، بل تسترد كرامتها، وكرامتنا تبدأ بحذاء لا يُرى... ولكنه يدوسنا وتوابعه منذ 150 عامًا! والإعلام الصامت عن قضية شامبليون، حذاء حديث يؤصّل لدعس حاضر ومستقبل وعى المصريين، ليقبل عادية الغرب فوق الشرق! وحسما تكون اليقظة الإعلامية والقرار الواعى البداية لطريق التصحيح!

* محامى وكاتب مصرى

[email protected]