خواطر مواطن مهموم 309

ما يثير الدهشة عند متابعة الحياة السياسية الفرنسية فى العقد الأخير هو العجز الجماعى عن التسامى

توفيق اكليمندوس

خواطر حول الأزمات الفرنسية 1

بداية أنبه القارئ إلى أمرين، أولا هذه ليست دراسة علمية بل خواطر، وبالتالى لا تتصوروا أن هذا الكلام منضبط جامع مانع وافٍ، وأنه تم اختباره وإثباته. وثانيا هو أن مصدره ملاحظات لى، وحوارات ممتدة عبر عقود مع أصدقاء فرنسيين تختلف مشاربهم الفكرية والسياسية والمهنية ويشتركون فى الاهتمام الذهنى والمهنى والعاطفى بالشأن العام وفى عدم الرضا عن مسار وطنهم وفى تشاؤم حزين عن أحوال بلادهم.

أما مشاعر العبد لله تجاه فرنسا فهى متناقضة، هى وطن عدد من الأصدقاء الذين علمونى وحاورونى ونصحونى وصبروا علىّ ووقفوا معى فى أحلك الفترات، رغم أن أى حساب بسيط يفيد بأن أزمتى ليست فقط كبوة أقوم منها وأنهض، ولكنها أزمة لا خروج منها، ورغم هذا آمنوا بى، وفى المقابل فإن هناك “أشياءً ما” تفسد الجو فى أوساط دراسات الشرق الأوسط الفرنسية وبعض الأوساط الثقافية والفكرية الأخرى، أشياءً ما هى مزيج من الأفكار التافهة ومن شيوع سلوك شخصى حقير، السلوك الشخصى الحقير ابن الأطر التنظيمية للمهنة تولده وترعاه وتفسد الجميع بمن فيهم العبد لله، يسود جو يصبح فيه السلوك الأخلاقى عملا بطوليا، يقدر عليه الكل مرة أو مرات، ولكن تبنيه الدائم أمر محفوف بالمخاطر، والجو جو تنافس شرس بدون ضوابط ولا سقف على مناصب ووظائف وفتات، جو يؤثر على “نفسية” كل الباحثين، أما الأفكار التافهة فبعضها له أب معروف ولا يعلم أحد كيف ولد البعض الآخر، أفكار تافهة تولد عبادة أصنام، أفكار تافهة بعضها يتمتع بالاستمرارية وبعضها الآخر يظهر فجأة ويموت بسرعة بعد أن تسبب فى أضرار أغلبها جسيم، أفكار تافهة يدافع عنها مطوعون يشرفون على إقصاء من لا يؤمن بها، باستخدام حجج جاهزة مكررة، هذا لا يتكلم العربية، ذاك لا يفهم أصول علم الاجتماع، ولا يجيد استخدام أدوات البحث العلمى، لا أقول إن هذه الأفكار التافهة تمنع أى بحث علمى جاد، هذا أبعد ما يكون عن الحقيقة، ولكنها تتسبب فى رفض طرح وبحث عدد كبير من الأسئلة المهمة، وتؤدى إلى تمسك بمقولات ومنع مناقشتها.

ما يثير الدهشة عند متابعة الحياة السياسية الفرنسية فى العقد الأخير هو العجز الجماعى عن التسامى، والتراجع الملحوظ لمفهوم الصالح العام، لا يفكر أغلب السياسيين – غير المعتزلين للعمل العام - فى الصالح العام إلا لو لم يكن فى هذا مساس بمصالحهم الشخصية والذاتية، وعندما أقول لا يفكر لا أقول “فكروا فيه وقرروا تجاهله” بل أقول لم يفكروا فيه أصلا، وقال لى صديق له صلات بالسياسيين إن بعضهم... إن قال لهم “ولكن الصالح العام يقتضى..” ... ينظر إليه وكأنه مخبول يتكلم لغة لا يفهمها أحد.

هل هذا من تبعات النظام الديمقراطى السلبية الذى يعانى من عجز مزمن عن ترتيب الأولويات وعن التمييز بين المطالب والرغبات لتهميش الفاسد والمفسد منها – وطبعا لهذا النظام مزايا عديدة تجعله الأفضل، هل هذا نتيجة طبيعية لسيادة المذهب الفردانى فى مجتمع ذى بنية شديدة التعقيد والتناقض؟ هل يعود هذا إلى ضغط الرأى العام وضرورة النجاح فى الانتخابات التى تفرض مخاطبة الجمهور بما يسره ويحشده؟ هل هذا يعود إلى المحتوى الحالى لمناهج التدريس فى جميع الجامعات وفى معاهد النخبة؟ هل يعود هذا إلى تراجع للولاء الوطنى لصالح ولاء فئوى أو أيديولوجي؟ هل يعود هذا إلى شيوع نرجسية فى جميع الأوساط تجعل المرء عاجزا عن رؤية أى آخر؟ لا أعلم.

هناك أيضا مشكلة “نضج نفسى” عند عدد من الساسة المهمين، وأقصد بهذا أنهم يتصرفون ويتكلمون وكأنهم أطفال وعلى أحسن الفروض كمراهقين، قد يكون بعضهم ملما إلماما جيدا بأغلب الملفات، ولكن ما يحركه مشاعر طفولية، وتحديدا مشاعر طفل غاضب يريد أن يكسر لعبه.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية