(50) قانونيات إساءة شامبليون واسترداد نفرتيتي!

يخلط الكثيرون بين معطيات قضية مصر ضد نسخة تمثال شامبليون 1875 بالسوربون، وقضية استعادتها لرأس نفرتيتي من ألمانيا وحجر رشيد من لندن

محمد بكري

تثير قضايا التراث المصري، بين الداخل والخارج، جدلاً مستمرًا حول الكرامة الوطنية والملكية القانونية، فبينما تمثل بعض الآثار المنهوبة نزاعًا حول ملكية مادية، تطرح بعض الرموز الفنية الأخرى إشكالية تتعلق بـالكرامة الرمزية للشعب المصري! فالتعامل مع التاريخ من وجهة قانونية يلزمه حذر كبير فى تحري وجود الواقعة التاريخية، دقة المعلومة، والمصادر، والأسباب، وزاوية التناول، وبلورة التحفظ أو الرأي فى صورة نهائية، تقبل تأسيس موقف قانوني أو تاريخي صحيح عن موضوع محدد، من حيث الصفة والمصلحة والضرر وإثبات كل ما تقدم، للمطالبة بحق، بصورة مشروعة.

يخلط الكثيرون بين معطيات قضية مصر ضد نسخة تمثال شامبليون 1875 بالسوربون، وقضية استعادتها لرأس نفرتيتي من ألمانيا وحجر رشيد من لندن! جزء من الخلط الارتباط بالتاريخ والآثار وحق مصر فى ممتلكاتها. الحقيقة أن هناك فرقًا كبيرًا وجوهريًا بين القضيتين، يؤثر على قانونيات التصدي لهما، سواء لطرح وجهة النظر بحق مصر فى كرامتها المدعوسة أو مطالباتها بملكيتها المسلوبة. ولكن بتحري المعطيات السابقة فى التعامل مع التاريخ، يمكن كشف الفرق بينهما بوضوح، بما ينعكس على منهجية معالجة وإدارة وإثبات كل قضية، وتحديد موقف الدولة والمواطنين والغير منها.

قضية تمثال شامبليون تمس الحق الأدبي الجماعي، فى مساس وإهانة النحات الفرنسي أوجست بارتولدي لكرامة تاريخ وحضارة مصر والمصريين، بنحته للنسخة الثانية من تمثال شامبليون 1875 يدعس بحذائه رأس ملك مصري قديم! فالتمثال ليس بأثر مصري قديم، لم يوجد بمصر مطلقا أو جزءًا من تاريخها، نفذه نحات فرنسي حديث فى أواخر القرن الـ19، منصوب بساحة الشرف بكوليدج دي فرانس، بالسوربون بباريس، يمثل مواطنا فرنسيا حديثا وملكا مصريا قديما. بمعنى آخر فالتمثال ليس من آثار حضارة مصر القديمة، ولا تملكه، وخارج سلطتها الجغرافية والزمنية والقانونية، وليس لها عليه حق ملكية أو انتفاع! ومع ذلك فواقعة وجود تمثال شامبليون منذ 1875 واستمراره حتى الآن واقع لا خلاف عليه. كذلك وجود نسختين من التمثال! الأولى نفذها بارتولدي بمدخل معرض باريس إكسبو 1867 والحذاء الشامبليوني يدعس رأسأبو الهول، والنسخة الثانية تمت بعد رفض الخديوي إسماعيل مشروع تمثال بارتولدي 1869 (مصر تنير الطريق لآسيا) لنصبه بمدخل قناة السويس، وهذا المشروع والرفض الإسماعيلي أيضا واقع مُثبت لا خلاف عليه! بدأت المشكلة بعد الرفض الإسماعيلي 1869 للمشروع، عندما استبدل بارتولدي رأسأبو الهولبرأس ملك مصري قديم (رمسيس الثاني أو تحتمس الثالث أو أخناتون)، وتتفق المصادر التاريخية والتحليلية (مثل Trachtenberg 1976، الخديوي إسماعيل وعصرهللدكتور يونان لبيب رزق، Orientalism and the Visual Arts Bartholdi’s Egyptian Phase” - Linda Nochlin “ فيديوهات هشام جاد، Statue of Liberty: A Transatlantic Story” — Edward Berenson ، ومقالات د. رفعت السعيد، د. سلوى العطار)، أن الاستبدال تم انتقاما من الرفض الإسماعيلي لمشروعه، كرمز لمُلك مصر. التمثال يعتبر من رموز ربط العلاقات الفرنسية المصرية (من وجهة نظر فرنسا)! ومع احترام حرية التعبير والفنان، إلا أن العناصر البصرية والرمزية والأيقونية فى وضع الحذاء على الرأس، وتمثيلية العمل، والسياق التاريخي الذي تم تعديل الرأس فيه من النسخة القديمة، والاعتبارات الأخلاقية المصورة فى التمثال، وغيرها من عناصر التحليل الفني والتاريخي لتعديل النحات، يُخرجه من فضاء حرية الإبداع والتعبير إلى حيز القصد الفني العدائي، محل المسؤولية الفنية التقصيرية للفنان التشكيلي! فالتمثال فى وضعيته الحالية بفضاء السوربون المؤدي لقسم الآثار المصرية، ينحت رمزية وصورة غير شريفة للعنصرية الثقافية بصورة تُهين الحضارة المصرية القديمة، والكرامة المصرية والمصريين ذاتهم والرمزية الثقافية والتاريخية لمصر أمام أبنائها والعالم. من هنا فالقضية لا تخص كرامة وحضارة وتاريخ الدولة المصرية وحدها، ولكن كل مصري مُهان، مدعوس، مُحط من كرامة أجداده وتاريخه وهويته، له الصفة والمصلحة فى التعبير عن أضراره والتصدي لهذا التمثال كعمل فني مُسيء طبقا للقوانين المحلية والدولية، واقتراح بدائل الحلول! ومن هنا تتبلور قضية مصر ضد نسخة تمثال شامبليون 1875 كحق عام للدولة والمواطن، لاشتراكهما فى مختلف أنواع الضرر الواقع عليهم كشخص اعتباري (الدولة) وكشخص طبيعي المواطن، وهو ما يُقننه الدستور والقوانين المصرية، بل والقوانين الفرنسية فيما تُثيره التماثيل المُسيئة (Code du Patrimoine).

الأمر مختلف تماما مع حق مصر فى استعادة رأس نفرتيتي من ألمانيا، حجر رشيد من لندن، والزودياك من فرنسا (وغيرها من آثار مصرية خرجت وتخرج في ظروف مُريبة)! هنا نحن بصدد آثار مصرية قديمة أصلية، تملكها مصر كدولة مسؤولة عن حفظ وحماية وصيانة آثارها وتاريخها وسمعتها الدولية. فالتعامل القانوني يتم مع ملكية رسمية، على أرض مصر، حقوقها مكفولة للدولة، منتزعة أو مهربة أو خرجت من القطر المصري لأسباب تاريخية وقانونية مختلفة، ويكفل للدولة وحدها التصدي للمطالبة باسترجاعها للوطن الأم. هنا قضايا الاسترداد لهذه الآثار ليست قضية كرامة وطنية فى المقام الأول! ولكنها قضية مطالبة بحق ملكية لممتلكات خرجت من مصر بطرق غير مشروعة، أو قانونية ظاهريا ومشوبة ببطلان فى حقيقتها! دقة بحث وتكييف واثبات المطالبة بحق الاسترداد فى حالات معينة، يتأثر حتما بالظاهر القانوني خاصة إذا كان الخروج مثل نفرتيتي تم طبقا لاتفاقية تقسيم الآثار مثلا! ولكن هل تم ذلك بصورة تامة الشرعية، أم بتقديم صورة غير صحيحة فى صورة صحيحة للتدليس على الإدارة المصرية لمنح إذن الخروج؟ وهل ممثل الإدارة المصرية عندما منح هذا الإذن كانت صفته صحيحة، ولم يقع فى خطأ قانوني حول ماهية التمثال أو رمزيته أو قيمته، أو لم تُغش مصر عمدا لخروج نفرتيتي منها غيلة؟ ذات الشيء بالنسبة لسقف الزودياك المنزوع من سقف معبد دندرة ومنقول لباريس 1821 باحتيال محترف موثق تاريخيا وعلميا! أما حجر رشيد مفتاح التعرف على الهيروغليفية فاستولت عليه إنجلترا 1801 عقب انتصارها على فرنسا والاتفاقفى غياب الإدارة المصرية وقتها - على مصادرتها ونقل أغلب مكتشفات فرنسا بمصر إبان المرحلة الأولي والثانية من حملة نابليون.

فى تقديري الخاص، أن وجود واستمرار تمثال شامبليون 1875، أسس تاريخيا وثقافيا لاستمرارية دعس الغرب لحق مصر والمصريين في المطالبة القانونية بحقوقهم في الملكية وجبر الكرامة، سواء فى قضية تمثال شامبليون أو قضية استعادة رأس نفرتيتي وحجر رشيد والزودياك. الفارق الجوهري هو اختلاف الصفة والمصلحة والسند وطبيعة الحق فى القضية الأولى عن القضية الثانية، وهو ما يؤثر بالضرورة في آليات إثبات حق وضرر وسند وسبب المدعي فى كل قضية. واقعيا فإن استمرار تمثال شامبليون في باريس ليس مجرد وجود فني، بل هو رمز لاستمرار ذهنية استعمارية تجسد صورةالغرب الواقف فوق رأس الشرق، وفى المقابل، فإن نفرتيتي وحجر رشيد وزودياك دندرة يمثلون استلابًا ماديًا لتراث مصر. وما بين الرمزية والمعنوية من جهة، والملكية والتاريخية من جهة أخرى، تظل رسالة واحدة حاضرة! إن مصر لها حق الدفاع عن تاريخها وكرامتها، ماديًا ورمزيًا، فى مواجهة أي اعتداء أو إساءة، مهما طال الزمن، أو اختلفت الإدارات، أو تواطأت المصالح.

* محامى وكاتب مصرى

[email protected]