تشهد الشركات الناشئة العاملة في مجال الدفاع الأوروبي تدفقًا متزايدًا من رؤوس الأموال الخاصة، في ظل بحث المستثمرين عن فرص جديدة في قطاع مرشح لتحقيق دفعة قوية بفعل خطط إعادة التسليح الضخمة التي تتبناها الحكومات الأوروبية، بحسب ما أوردته شبكة "سي إن بي سي".
ويأتي هذا التوجه في وقت تتزايد فيه الضغوط الجيوسياسية عالميًا، حيث ساهمت الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة، وضغوط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الحلفاء لزيادة إنفاقهم الدفاعي، في دفع الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة هذا العام إلى الالتزام بزيادة الإنفاق العسكري بشكل غير مسبوق.
وفي السياق نفسه، اتفق أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) خلال الصيف على رفع أهداف إنفاقهم الأمني إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي.
الغزو الروسي يطلق شرارة البداية
منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في أوائل عام 2022، تدفق رأس المال الخاص إلى شركات الدفاع الأوروبية بوتيرة لافتة.
ووفقًا لتقرير صدر في فبراير الماضي عن شركة ديل روم وصندوق ابتكار الناتو – وهو صندوق رأس مال استثماري مدعوم من 24 دولة عضو في الحلف – ارتفعت استثمارات رأس المال المخاطر في الشركات الناشئة الأوروبية بمجال الدفاع والأمن إلى مستوى قياسي بلغ 5.2 مليار دولار خلال عام 2024، في وقت شهد فيه السوق الأوروبي لرأس المال المخاطر تراجعًا عامًّا.
وقال يوروم وينجاردي الرئيس التنفيذي لشركة ديل روم، في التقرير: "أصبح الإقبال على الاستثمار في الشركات الناشئة في مجال الدفاع والأمن والمرونة في أوروبا مختلفًا تمامًا عما كان عليه قبل بضع سنوات"، مشيرًا إلى التحول الجذري الذي شهده هذا القطاع الحيوي.
ولا تلوح في الأفق أي مؤشرات على تباطؤ هذا التوجه. فقد صرحت لوريدانا محرمي محللة الأسهم في مورنينغ ستار، لشبكة "سي إن بي سي"، بأن هذا الإقبال تسارع بشكل أكبر خلال العام الجاري، بالتزامن مع زيادة الطلب من المستثمرين على أسهم شركات الدفاع المدرجة في البورصات الأوروبية.
وأوضحت في رسالة بريدية: "شهدنا تغييرًا جذريًا في سوق الدفاع الخاص في أوروبا منذ عام 2022، مع تسارع حاد في النصف الأول من عام 2025، وكان المحرك الأساسي لهذا العام هو هدف الإنفاق الجديد الذي حدده الناتو".
وأضافت محرمي أن الأمر لا يقتصر على ارتفاع أحجام الاستثمارات الإجمالية المقومة بالدولار، بل شمل أيضًا ارتفاع قيمة الصفقات نفسها، وهو ما يعكس زيادة تقييمات الشركات الدفاعية الناشئة.
وأشارت إلى أن طبيعة هذه الصفقات شهدت تحولًا نوعيًا، إذ انتقلت من كونها صفقات استحواذ إضافية تقودها عمليات الدمج والاستحواذ إلى صفقات قائمة على استثمارات رأس المال المخاطر، وهو ما يلعب دورًا أساسيًا في سد الفجوة بين النماذج الأولية في مراحلها المبكرة وبين الأنظمة الدفاعية المتكاملة التي تعتمدها الدول.
وبحسب تحليل أجرته مورنينغ ستار، فإن غالبية الشركات الناشئة الأوروبية في مجال الدفاع تركز بشكل أساسي على البرمجيات والذكاء الاصطناعي، مع توجيه جهودها نحو مجالات مثل الطائرات بدون طيار، والأمن السيبراني، والفضاء، وهي مجالات ابتكارية تقع إلى حد كبير خارج نطاق الاختصاص التقليدي لكبرى شركات الدفاع.
ويرى محللون أن هذا التوجه نحو التقنيات الجديدة يعكس التغيرات العميقة في طبيعة الحروب الحديثة ومتطلبات الأمن القومي الأوروبي، مما يجعل هذه الشركات في قلب اهتمامات المستثمرين.