حازم شريف:
علي مدار العامين الماضيين، أتيحت لي الفرصة في أكثر من مناسبة لمناقشة بعض المسئولين في الحزب والحكومة حول أهمية التسريع من عجلة الإصلاح السياسي، وضرورة أن تتلازم وتيرته مع زميله وحبيبه الإصلاح الاقتصادي التي قطعت فيه الحكومة -ولاتزال- أشواطا طويلة في فترة وجيزة.
كانت وجهة نظري أنه إذا كانت عملية الإصلاح الاقتصادي بالغة الأهمية بما تتضمنه من سياسات تستهدف تحقيق معدلات نمو عالية لعدد لابأس به من السنوات، فإن الإصلاح السياسي ينبغي الإلحاح عليه لسببين، أولهما أنه بدونه لايمكن ضمان تحقق نموذج أكثر عدالة لتوزيع الثروة، وثانيهما أنه نتيجة لعدة عوامل داخلية وإقليمية ودولية فإنه بات هناك مطلب متزايد في الداخل علي الديمقراطية، لابد من تلبيته ومقابلته بإصلاحات تصب في ذات الاتجاه.
علي الجانب الآخر كان المسئولون يقللون من أهمية الإصلاح السياسي، وفي هذا الإطار كانوا يتجاهلون الرد علي النقطة الأولي المتعلقة بالديمقراطية كأداة فعالة في إنتاج نمط أكثر عدالة لتوزيع الثروة، ويجيبون علي النقطة الثانية في عفوية شديدة تحمل قدرا كبيرا من الاستنكار: ومن قال أصلا إن هناك طلبا داخليا علي الديمقراطية؟!، فالناس لا يهمها سوي لقمة العيش وتحسين ظروف المعيشة اليومية، ولذلك فما علينا سوي الاستمرار بمنتهي السرعة في إنجاز خطوات الإصلاح الاقتصادي، ومن ثم تنعكس ثمرات هذه الخطوات تدريجيا علي أخونا المواطن.
اليوم أجد نفسي مضطرا -وأنا آسف مهموم مكلوم- أن أشاطر الإخوة المواطنين المسئولين بالحزب الرأي فيما يتعلق بموضوع الطلب علي الديمقراطية بل أضم صوتي إليهم صارخا ومزايدا:ومن ابن الـ«.....» الذي ادعي أن هناك طلبا علي الديمقراطية؟!!!!!!!!!!!
فأي مراقب منصف للتطورات علي الساحة السياسية خلال الأشهر السابقة، والتي تضمنت تمرير التعديلات الدستورية الآخيرة، والتي تكللت -بعون الله- الأسبوع الماضي بالإعلان عن نتيجة معركة انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشوري...أي مراقب منصف يمكنه الجزم ليس فقط بأنه لا يوجد طلب علي الديمقراطية بل ولا علي مزاولة أو متابعة أو مواجهة أي نشاط سياسي من أي نوع، واقتصار الطلب فقط علي قضاء بعض الحاجات الإنسانية البسيطة كالمأكل والمشرب وأشياء أخري أياً كانت الوسيلة لإشباعها.
نعم لايزال إيماني بالديمقراطية راسخا، ولكن في نفس الوقت فقد تعلمنا جميعا في الصغر أن الاعتراف بالحق فضيلة، صحيح أننا كبرنا ونسي الكثير منا تلك الفضبلة إلا أنه وفي هذه الحالة تحديدا فإن المكابرة لاتجدي، ولايعدو المضيّ في تصور أن ثمة طلبا شعبيا علي الإصلاح السياسي، أكثر من ممارسة نوع من الاستمناء الفكري في أفضل الأحوال، أو إسقاط لهلاوس اللاوعي الحالمة علي أرض بور جرداء لا تعرف الأحلام.
باختصار قفل الحزب الوطني الانتخابات من بابها، فحصد وجمع وضرب 84 مقعدا من إجمالي 88، ولم يتحرك أحد. تشاجر مرشحو الوطني واشتبك أنصارهم فيما بينهم البعض وتنافسوا علي تزوير الانتخابات طمعا في نيل كل عضو حصته من كعكة الشوري، وسط كورال إعلامي مصاحب تتصدر صفحاته الأولي وبرامجه عناوين تهلل لانتصار الديمقراطية والمشاركة الشعبية، ولم يخرج مواطن واحد غاضبا أو رافضا أو حتي صامتا لاويا «بوزه» تعبيرا عن عدم رضاه، عن تزييف الوعي والصناديق.
وبما أن الأمر كذلك ,فإن المسألة برمتها بالنسبة لي قد حسمت,ومن الأن فصاعدا...... كل واحد يشوف مصلحته.
وعلي أي مناضل أهبل في سبيل الديمقراطية أن يلزم سكناته، فوفقا لوسائل الاعلام الحكومية فإن الشعب قد اختار ولاشيء يعلو إرادة الشعب، وسواء كان الشعب اختار أو قام الحزب بالاختيار نيابة عنه وسكت، يتساوي الافتراضان، المهم أن الشعب قبل ولم يحرك ساكنا.
وعلي أي ثوري «ليبرالي» أن يلم نفسه، ويبحث عن أمور أخري يشغل نفسه بها، فلا الحزب الوطني يضمر أي نوع من النوايا الديمقراطية، ولا الشعب يمكن قيادته نحوها، ولا توجد قيم ديمقراطية متجذرة أو «متسطحة» في هذا المجتمع الحبّوب.
وبدلا من أن تجد نفسك محشورا مهروسا بين مطرقة الحزب الوطني وسندان جماهير تحركها الفتاوي الدينية لا السياسة والاصطفاف في طوابير المخابز بدلاً من الانضمام لحزب يضغط من أجل حل أزمة رغيف العيش ...انج بحياتك وركز في شغلك أو ابحث عن فرصة عمل أو هجرة للخارج إذا نقحت عليك ميولك الديمقراطية.
أما أنت عزيزي المواطن، فصرف نفسك بنفسك .
ابحث عن فرصة تدريب تؤهلك لإحدي الوظائف بالمصانع الجديدة، أو سوّي معاشك مبكرا إذا كنت تعمل في إحدي شركات قطاع الأعمال، وأضف لها قرضا من الصندوق الاجتماعي لتبدأ مشروعا صغيرا جديدا، أو اجمع بين أكثر من وظيفة كي تتمكن بالكاد من البقاء حيا.
أما إذا كنت من ذوي المهارات و«الاحتياجات الخاصة» المتمتعين بقدر كبير من المرونة الأخلاقية، فعليك بالالتحاق بالحزب الوطني، لا لكونه حزبا سياسيا «لسمح الله»، وإنما بوصفه نبعا للسبوبة، وطريقا سريعا شبه وحيد للتصعيد والتعيين في رئاسة تحرير الصحف الحكومية ومجالس الأنس والشوري!
بداية عهد «شوف مصلحتك»!
حازم شريف: علي مدار العامين الماضيين، أتيحت لي الفرصة في أكثر من مناسبة لمناقشة بعض المسئولين في الحزب والحكومة حول أهمية التسريع من عجلة الإصلاح السياسي، وضرورة أن تتلازم...