الطيب والشرس والقبيح

محمد علي خير:   احتار كاتب الحسابات في دكان العطارة الذي يمتلكه السيد أحمد عبد الجواد في كيفية تسجيل البضائع الكثيرة التي أخرجها صاحب المحل بلا مقابل لعدد من النساء...


محمد علي خير:

احتار كاتب الحسابات في دكان العطارة الذي يمتلكه السيد أحمد عبد الجواد في كيفية تسجيل البضائع الكثيرة التي أخرجها صاحب المحل بلا مقابل لعدد من النساء كان يجالسهن كل ليلة، وبنظرة ذات معني قام سي السيد بازاحة الطربوش قليلا من علي رأسه وقال لكاتب الحسابات ردا علي سؤاله السابق: اكتب أمام هذه البضائع... بضاعة أتلفها الهوي.

كان ذلك أحد المشاهد البديعة المحفورة في ذاكرة السينما المصرية من فيلم »بين القصرين« الذي لعب بطولته الراحل يحيي شاهين في رائعة نجيب محفوظ (الثلاثية)، والمعني أنها بضاعة كانت موجودة وغير موجودة في نفس الوقت.

تذكرت المعني واستعادت ذاكرتي هذا المشهد كلما طالعت عيناي الاعلانات شبه اليومية لمجموعة شركات حديد عز التي تذكر فيها سعر طن الحديد مع الوصف التفصيلي لكل سيخ حديد من حيث الفصيلة والنوع والمقاس، ولم يبق للمعلن سوي ذكر اسم الجد لكل سيخ حديد، واعتقد رجل الأعمال أنه نفض بهذا الاعلان يده من دم الشعب خاصة العاملين في قطاع التشييد والبناء بعد الارتفاعات القياسية في أسعار الحديد، لذا تضمن الاعلان رقم تليفون للابلاغ عن أي موزع تسول له نفسه زيادة الأسعار عن المعلن، وبلغت الدقة حدا لايوصف بالتذكير بأن سعر الطن في الاعلان يشمل ضريبة المبيعات.

وألقي عز في حملته الاعلانية باللائمة علي موزعي الحديد (المحتكرين) الذين يبالغون في أرباحهم الجشعة علي حساب المواطن الغلبان بعد أن أوضحت الحملة الاعلانية أن سعر حديد عز أقل من أسعار المنافسين.

لكن المشكلة في أن السيد أحمد عز يعلم تمام العلم أنه بث وروج حملته الاعلانية عن بضاعة غير موجودة فعلا بالسوق وكأنه يعلن عن بيع الهواء وليس الحديد، لذا كانت شكوي المقاولين والمواطنين في أنهم كلما ذهبوا لشراء حديد عز من الموزعين وكبار التجار لم يجدوه، أي أن هناك حالة من التعطيش للسوق تصاحبها حملة اعلانية عن سعر منتج غير موجود بالأسواق،وكل هذا يحدث أمام الجميع خاصة جهاز حماية المنافسة ومنع الاحتكار ووزارة الاقتصاد والتجارة بل الحكومة كلها.

سنفترض توفر حسن النية لدي مجموعة شركات حديد عز وأنها بنية صافية ومن أجل صالح المواطنين ورحمة بالمقاولين حددت سعرا لمنتجها يقل عن المنافسين، وسنفترض أيضا أن سبب المشكلة هو الموزعون وكبار التجار الذين يخفون حديد عز ليبيعوه بسعر أعلي بعد تعطيش السوق.

وبعد كل هذه الافتراضات نقترح حلا مستوحي من الحلول العبقرية لوزير التضامن في أزمة رغيف العيش عندما رأي أن حل مشكلة الخبز تكمن في فصل الانتاج عن التوزيع، لكن مع الحديد وحلا لمشكلته سنقوم بالعكس أي الدعوة الي دمج الانتاج مع التوزيع بأن تفتح مصانع حديد عز أبوابها أمام المواطنين لشراء مايلزمهم من الحديد وبذلك نضرب تكتل الموزعين الكبار للحديد ، واذا واجهت هذه الفكرة صعوبة في التنفيذ أو تعللت شركات عز بأي أسباب أخري، نقترح علي الحكومة شراء كل انتاج حديد عز رأسا من مصانعه وبالسعر الذي يعلنه في الصحف وبيعه للمواطنين بمعرفة الحكومة حتي نري وقتها من هو الطيب ومن هو الشرس ومن هو القبيح في هذه اللعبة السخيفة.