بين الشريعة والدستور

هل الدستور وثيقة لتكريس الواقع أم لتغييره؟، هل هى وثيقة لمجتمع ننشده أم لمجتمع قائم بكل تفاصيله؟ إذا كنا نتكلم عن الواقع فإن الفتاة- خاصة فى الريف المصرى- يتم تسنينها...

هل الدستور وثيقة لتكريس الواقع أم لتغييره؟، هل هى وثيقة لمجتمع ننشده أم لمجتمع قائم بكل تفاصيله؟ إذا كنا نتكلم عن الواقع فإن الفتاة- خاصة فى الريف المصرى- يتم تسنينها زورا لتتزوج قبل السن القانونية، إذا كنا نتكلم عن الواقع فإن «زواج الصفقة» الذى تباع فيه فتاة فقيرة إلى «زوج» مسن أو من بلد عربى دون توافر شرطى التكافؤ أو ضمان نية الاستدامة، هو أحد أشكال جريمة فى القانون اسمها «الاتجار فى البشر»، إذا كنا نتكلم عن الواقع فإن عمالة الأطفال واستغلالهم والإساءة اليهم قائمة على قدم وساق، إذا كنا نتكلم عن الواقع،فإن قيم الأسرة والمجتمع التى يتكلم الدستور عن الحفاظ عليها ليست بعيدة عن استخدام العنف داخل الأسرة والمدرسة والقسم والشارع عنفا لفظيا ونفسيا تارة وبدنيا تارة، مرة ضرب ومرة تحرش وثالثة تعذيب، هل نكرس واقعاً معيباً أم ننشد واقعا مغايرا؟ يحدث أن نضع دستورا ونصوغ وفقا لهذا الدستور قوانين لكن الواقع يذهب فى اتجاه آخر تحت ضغط الفقر والعوز والتخلف، مع ذلك يبقى هناك مثال أخلاقى- قانونى يشد المجتمع باتجاه تحقيقه حتى لو استغرق الأمر وقتا كما استغرق الإسلام وقتا للتخلص من العديد من الظواهر التى عمل على تقليصها تمهيدا لزوالها.

هل اليوتوبيا التى يتوق المصريون لتحقيقها على اختلاف فئاتهم هى صورة لمجتمع تزوج فيه البنات فى سن التاسعة وتقبع فيه النساء فى البيوت أو خلف النقاب وتقطع فيه يد السارق فى مجتمع 40 بالمائة من سكانه تحت خط الفقر، ويكفر الغير بينما التكفير حق لله دون غيره، ويُكره فيه أناس على عدم بناء بيوت عبادتهم غير الإسلامية بينما يقول الإسلام إنه لا إكراه فى الدين؟ مجتمع تكون صحافته وفنونه على مقاس صحف تيار الإسلام السياسى القائمة مثلا؟، هل يكون مجتمع كهذا حلما أم كابوسا؟ هل ننسى أن مجتمعاً إسلامياً مبكراً هو الذى أنتج أدباً مثل «ألف ليلة وليلة» وكتبا مثل «الروض العاطر» وشعراً مثل شعر أبى نواس أو رباعيات الخيام، وأن مجتمعاً إسلاميا منفتحاً هو الذى انتج العمارة والتواشيح الأندلسية؟

أرجوكم ألا تقولوا إن المساواة هدم للأسرة، ولا أن حرية الفكر هدم للثوابت، ولا أن الفن نشر للفواحش، هدم الأسرة وفقدان الثوابت ونشر الفواحش أمور لا يقتصر رفضها على التيار السلفى وأخلاقية المجتمع لا يصونونها بمفردهم، كل سقوط أخلاقى أو اجتماعى أو فنى يراه كل مسلم معتدل تطرفا فى الانفلات يوازى التطرف فى الانغلاق، وكلنا يعلم أن طرفى النقيض يجتمعان عندما تغلق الدائرة..

إذا كان الغرب مخيفاً لكم بانفلاته فإن أفغانستان والسودان والصومال مخيفة لنا بانغلاقها وإكراهها. كل منها قد لا يكون نموذجا مثاليا، لكن النموذج المثالى أو الأقرب الى المثالية هو الذى ينعم بالتقدم العلمى والطبى والحرية، وداخل مثل هذا النموذج يمكن للناس أن تحيا وفق عقائدها لا يجبرها أحد على غير ذلك.

احترم تمسك أبناء تيار الإسلام السياسى بالإسلام، لكن فى المطابقة التامة بين الإسلام والشريعة ارتباك، الشريعة ليست صندوقاً تم ملؤه ثم إغلاقه فى زمن سابق سوف نأتى به الآن ونفتحه ونطبق ما فيه «.. اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا..» ( سورة المائدة آية رقم 3) تسبق كل الاجتهادات الشرعية التى يضمها أخوتنا فى التيار الدينى الى مفهومهم للشريعة. اجتهد السابقون فيما لم يجدوا فيه نصاً وفق زمانهم ومكانهم وظروفهم، لنا إن شئنا أن نسترشد بهم تراثا قيما ولا نحكمهم فى رقابنا حلقة حديدية ضيقة، اختلف تشريع الشافعى فى مصر عما كان عليه فى العراق، لا قدسية لاجتهادات البشر، ولأهل الذكر والعلم منا أن يجتهدوا وفق مستجدات ظروفنا وزماننا وتواؤمنا مع التطور الهائل منذ ذلك الحين فى العلوم والمعارف، لكم فى أخوتنا فى التيار الدينى فى المغرب المنفتح على التراث الأوروبى العلمى والعقلانى أسوة حسنة، يركزون على فقه الغايات والمقاصد يحيون تراث الإمام الشاطبى مؤسس هذا العلم ويعتزون به.

افتحوا باب الاجتهاد و اقبلوا الاختلاف فى داخله الذى هو رحمة، ادرسوا التطور التاريخى للقوانين، وانظروا قبل ذلك وبعده فى الجهد التاريخى الذى بذله فقهاء قانونيون فى مصر لمواءمة القوانين مع الشريعة. اعملوا على مجتمع تزدهر فيه الأخلاق مع الحرية والمساواة، ويتقدم فيه الطب والدواء وسهولة الانتقال والتواصل، وتنتشر فيه العدالة المادية والمعنوية، عندها يتحقق الهدف الإلهى من عمارة الأرض، عندها يشرق بحق، نور الإسلام.