رجائى عطية :
خاب تدبير قريش، وحفظ الله نبيه ﷺ، فخرج مهاجرًا وهم من حول داره محاصرين، فأغشاهم الله فجعلهم لا يبصرون، وجعلوا ينتظرون فى مكانهم للوثوب، دون أن يتفطنوا إلى أن الراقد فى فراش النبى ﷺ هو علىّ بن أبى طالب، ولم يفيقوا من سباتهم إلاَّ بعد أن مَرّ بهم واحد من أبناء مكة، وعرف منهم غرضهم من الانتظار، فقال لهم ساخرًا: «خيبكم الله، قد والله خرج عليكم، فما هذا التراب الذى على رؤوسكم ؟!».
وكما خابوا فى النيل من محمد ﷺ بداره، خابوا وأخفقوا فى مطاردته وصاحبه أبى بكر على طريق الهجرة إلى المدينة، وحفظه الله تعالى منهم وهم وقوف على رأس الغاز الذى اختبآ فيه، والنبى ﷺ يكفكف قلق صحابه أبى بكر، ويقول له مشجعًا: «لا تحزن إن الله معنا»، فلما يقول أبو بكر هامسًا: «لو أن أحدهم نظر إلى قدمه لأبصرنا تحت قدميه» ! فما زاد عليه السلام على أن قال له: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» !!
ليس هدفى هنا أن أبسط حديث طريق الهجرة، ولكن عينى على هناك.. على المدينة المنورة، التى لبث أهلها من الأنصار، يخرجون مع المهاجرين كل يوم إلى ظاهر المدينة، يستطلعون طريق القادم من مكة، فى انتظار أن يهل عليهم الرحمة المهداة بعد أن أتتهم الأخبار بأنه خرج وصاحبه مستهدفين الوصول إلى دار الهجرة. يترقبون وصول النبى ﷺ كل يوم بأفئدة ملأتها الأشواق إلى الاكتحال بطلعته، وبعد أن انقطع أملهم فى وصوله، وفى يوم الاثنين الثانى عشر من ربيع الأول، إذْ بأحد اليهود المغلوبين بفضولهم وقلقهم، يلمح من أحد آطامهم الركب النبوى قادم من بعيد، فينادى من قمة الحصن: «يا بنى قَيْلة، يا معشر العرب.. هذا جدكم (حظكم ) قد جاء».
خرج الأنصار عن بكرة أبيهم، وبصحبتهم المهاجرون، فانطلقوا إلى حيث لمحت عيونهم على البعد النبى ﷺ وصاحبه، وقد أناخا راحلتين يستظلان بظل نخلة فى موضع «قباء» بجنوب المدينة، فطاروا إليهما وقد أخذهم جلال المشهد، من سَبَق لهم لقاء الرحمة المهداة، ومن لم يكن قد رآه بعد.. فطفقوا يكبرون: الله أكبر.. الله أكبر، الله أكبر جاء رسول الله.
وبدأ الركب النبوى فى استكمال مسيرته إلى داخل أطراف المدينة، محوطًا بالأنصار يحفظونه بقلوبهم وأجسادهم، ومن ورائهم أهل المدينة متهللين مرحبين، ليبين الفارق الهائل بين هذه البيئة الكريمة الأمينة المحبة الحاضنة، وبين ما لاقاه النبى ﷺ والمسلمون فى مكة من ظلم وإيذاء وإعنات.. وجعل المستقبلون على أطراف المدينة، ينشدون ترحيبًا بمقدم النبى المصطفى عليه السلام..
طلع البدر علـينا : من ثنـيات الوداع
وجب الشكر علينا : مـا دعـا الله داع
أيها المبعوث فينا : جئت بالأمر المطاع
بينما ينادى فيهم ﷺ: «أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام».
ويتسابق الأنصار فى نول شرف أن ينزل النبى عليه السلام بديارهم، فيلقى الركب مراسيه بقباء.. فى بنى عمرو بن عوف، ويلحف كلثوم بن الهدم ويشدد فى الإلحاف أن ينزل النبى ﷺ بداره، فأجابه عليه السلام إلى ما يريد، واتخذ من دار جاره سعد بن خيثمة التى نزل بها عزاب المهاجرين ـ اتخذها ملتقى لأصحابه من الأنصار والمهاجرة، بينما نزل أبو بكر بدار خبيب بن إساف.
مكث النبى ﷺ فى هذه الضيافة الكريمة المُحِبّة ثلاثة أيام، استراح فيها من عناء الرحلة الشاقة، ومن اليوم الثالث تأتيه الأخبار الطيبة بوصول على بن أبى طالب بعد أن رد جميع الودائع إلى أصحابها، فيدعوه إليه من الدار القريبة التى استضافه الأنصار بها، ولكن الأنصار يخبرونه بأنه لا يستطيع المشى، فقد تورمت قدماه وتشققت وتصدعت وتقيحت من طول المسير، حيث جاء ماشيًا يكمن نهارًا ويسير ليلاً حتى وصل المدينة، فما إن سمع الرحمة المهداة عليه السلام بالحالة التى عليها صاحبه، حتى نهض يطلب عاليًا حتى التقاه.. فعانقه واحتضنه وبكى رحمة بما ألم به فى سبيل الله، ودعَا له، وغادره على أن يلحق به فى دار كلثوم بن الهدم عندما يستطيع.
وبعد بضع يوم، يصل صهيب بن سنان فينزل بدار ابن خيثمة أو بيت العزاب فيما يقال، فيتحدث المهاجرون والأنصار بإعجاب بما كان من أمره مع قريش حين اعترضت هجرته، وأخرج لهم جعبته وأمسك سهامه وقال لهم مهددًا إنهم يعلمون أنه من أرماهم رجلاً، وأنهم لن يصلوا إليه حتى يرمى بكل سهم فى كنانته ثم يضربهم بسيفه، فلم تجد قريش بدًّا من التراجع عن منعه من الهجرة، والقبول بما له الذى تركه وراءه ودلهم على موضعه بمكة، فتركوه وكروا عائدين إلى حيث اكتفوا بالمال عوضًا عن منعه من الهجرة إلى حيث يهاجر المسلمون إلى يثرب.
وخلال الأيام من الاثنين حتى يوم الجمعة، كان الأنصار والمهاجرة قد فرغوا من بناء أول مسجد للمسلمين «بقباء».. أول مسجد بُنى وأسس على التقوى، وفيه وضع النبى ﷺ بنفسه أول حجر قبلته ـ وكانت آنذاك بتجاه المسجد الأقصى، ثم جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ومن ورائه جاء عمر والأنصار والمهاجرين فوضعوا الأحجار بموضع القبلة، ليشرع المسلمون فى البناء بهمة ونشاط.
( يتبع )
خاب تدبير قريش، وحفظ الله نبيه ﷺ، فخرج مهاجرًا وهم من حول داره محاصرين، فأغشاهم الله فجعلهم لا يبصرون، وجعلوا ينتظرون فى مكانهم للوثوب، دون أن يتفطنوا إلى أن الراقد فى فراش النبى ﷺ هو علىّ بن أبى طالب، ولم يفيقوا من سباتهم إلاَّ بعد أن مَرّ بهم واحد من أبناء مكة، وعرف منهم غرضهم من الانتظار، فقال لهم ساخرًا: «خيبكم الله، قد والله خرج عليكم، فما هذا التراب الذى على رؤوسكم ؟!».
وكما خابوا فى النيل من محمد ﷺ بداره، خابوا وأخفقوا فى مطاردته وصاحبه أبى بكر على طريق الهجرة إلى المدينة، وحفظه الله تعالى منهم وهم وقوف على رأس الغاز الذى اختبآ فيه، والنبى ﷺ يكفكف قلق صحابه أبى بكر، ويقول له مشجعًا: «لا تحزن إن الله معنا»، فلما يقول أبو بكر هامسًا: «لو أن أحدهم نظر إلى قدمه لأبصرنا تحت قدميه» ! فما زاد عليه السلام على أن قال له: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» !!
ليس هدفى هنا أن أبسط حديث طريق الهجرة، ولكن عينى على هناك.. على المدينة المنورة، التى لبث أهلها من الأنصار، يخرجون مع المهاجرين كل يوم إلى ظاهر المدينة، يستطلعون طريق القادم من مكة، فى انتظار أن يهل عليهم الرحمة المهداة بعد أن أتتهم الأخبار بأنه خرج وصاحبه مستهدفين الوصول إلى دار الهجرة. يترقبون وصول النبى ﷺ كل يوم بأفئدة ملأتها الأشواق إلى الاكتحال بطلعته، وبعد أن انقطع أملهم فى وصوله، وفى يوم الاثنين الثانى عشر من ربيع الأول، إذْ بأحد اليهود المغلوبين بفضولهم وقلقهم، يلمح من أحد آطامهم الركب النبوى قادم من بعيد، فينادى من قمة الحصن: «يا بنى قَيْلة، يا معشر العرب.. هذا جدكم (حظكم ) قد جاء».
خرج الأنصار عن بكرة أبيهم، وبصحبتهم المهاجرون، فانطلقوا إلى حيث لمحت عيونهم على البعد النبى ﷺ وصاحبه، وقد أناخا راحلتين يستظلان بظل نخلة فى موضع «قباء» بجنوب المدينة، فطاروا إليهما وقد أخذهم جلال المشهد، من سَبَق لهم لقاء الرحمة المهداة، ومن لم يكن قد رآه بعد.. فطفقوا يكبرون: الله أكبر.. الله أكبر، الله أكبر جاء رسول الله.
وبدأ الركب النبوى فى استكمال مسيرته إلى داخل أطراف المدينة، محوطًا بالأنصار يحفظونه بقلوبهم وأجسادهم، ومن ورائهم أهل المدينة متهللين مرحبين، ليبين الفارق الهائل بين هذه البيئة الكريمة الأمينة المحبة الحاضنة، وبين ما لاقاه النبى ﷺ والمسلمون فى مكة من ظلم وإيذاء وإعنات.. وجعل المستقبلون على أطراف المدينة، ينشدون ترحيبًا بمقدم النبى المصطفى عليه السلام..
طلع البدر علـينا : من ثنـيات الوداع
وجب الشكر علينا : مـا دعـا الله داع
أيها المبعوث فينا : جئت بالأمر المطاع
بينما ينادى فيهم ﷺ: «أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام».
ويتسابق الأنصار فى نول شرف أن ينزل النبى عليه السلام بديارهم، فيلقى الركب مراسيه بقباء.. فى بنى عمرو بن عوف، ويلحف كلثوم بن الهدم ويشدد فى الإلحاف أن ينزل النبى ﷺ بداره، فأجابه عليه السلام إلى ما يريد، واتخذ من دار جاره سعد بن خيثمة التى نزل بها عزاب المهاجرين ـ اتخذها ملتقى لأصحابه من الأنصار والمهاجرة، بينما نزل أبو بكر بدار خبيب بن إساف.
مكث النبى ﷺ فى هذه الضيافة الكريمة المُحِبّة ثلاثة أيام، استراح فيها من عناء الرحلة الشاقة، ومن اليوم الثالث تأتيه الأخبار الطيبة بوصول على بن أبى طالب بعد أن رد جميع الودائع إلى أصحابها، فيدعوه إليه من الدار القريبة التى استضافه الأنصار بها، ولكن الأنصار يخبرونه بأنه لا يستطيع المشى، فقد تورمت قدماه وتشققت وتصدعت وتقيحت من طول المسير، حيث جاء ماشيًا يكمن نهارًا ويسير ليلاً حتى وصل المدينة، فما إن سمع الرحمة المهداة عليه السلام بالحالة التى عليها صاحبه، حتى نهض يطلب عاليًا حتى التقاه.. فعانقه واحتضنه وبكى رحمة بما ألم به فى سبيل الله، ودعَا له، وغادره على أن يلحق به فى دار كلثوم بن الهدم عندما يستطيع.
وبعد بضع يوم، يصل صهيب بن سنان فينزل بدار ابن خيثمة أو بيت العزاب فيما يقال، فيتحدث المهاجرون والأنصار بإعجاب بما كان من أمره مع قريش حين اعترضت هجرته، وأخرج لهم جعبته وأمسك سهامه وقال لهم مهددًا إنهم يعلمون أنه من أرماهم رجلاً، وأنهم لن يصلوا إليه حتى يرمى بكل سهم فى كنانته ثم يضربهم بسيفه، فلم تجد قريش بدًّا من التراجع عن منعه من الهجرة، والقبول بما له الذى تركه وراءه ودلهم على موضعه بمكة، فتركوه وكروا عائدين إلى حيث اكتفوا بالمال عوضًا عن منعه من الهجرة إلى حيث يهاجر المسلمون إلى يثرب.
وخلال الأيام من الاثنين حتى يوم الجمعة، كان الأنصار والمهاجرة قد فرغوا من بناء أول مسجد للمسلمين «بقباء».. أول مسجد بُنى وأسس على التقوى، وفيه وضع النبى ﷺ بنفسه أول حجر قبلته ـ وكانت آنذاك بتجاه المسجد الأقصى، ثم جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ومن ورائه جاء عمر والأنصار والمهاجرين فوضعوا الأحجار بموضع القبلة، ليشرع المسلمون فى البناء بهمة ونشاط.
( يتبع )