تونس ‮.. ‬غيرت‮ ‬قواعد اللعبة‮!‬

أسقط التونسيون قواعد اللعبة التي كانت مقصورة لسنين طويلة علي العسكر، وخرج الفقراء البسطاء من بيوتهم ذات صباح بنية العودة، أو عدم العودة، العودة بحقوقهم كاملة أو عدم العودة برصاص...

أسقط التونسيون قواعد اللعبة التي كانت مقصورة لسنين طويلة علي العسكر، وخرج الفقراء البسطاء من بيوتهم ذات صباح بنية العودة، أو عدم العودة، العودة بحقوقهم كاملة أو عدم العودة برصاص جحافل أمن أولئك الذين أكلوا حقوقهم، بما في ذلك صفع شاب جامعي علي وجهه رأي أن بيع الخضار، قد يكون وسيلة لكسب رزق يحميه وأسرته من الموت جوعاً، واستولي عساكر البلدية عنوة علي الخضار الذي يبيعه ووزعوه علي أنفسهم في آخر النهار، وهو ما يحدث آلاف المرات في مصر كل صباح، وعندما توجه الشاب اليائس إلي دار الوالي للشكوي مما لحق به، منعه حراس الوالي من الاقتراب، مثلما يفعل كل حراس الولاة، بل حتي المرور أمام دار الولاية ليزداد الشاب يأساً، فيشعل النار في نفسه، وهي النار التي أضاءت للتوانسة معالم الطريق، إلا أن الرئيس بن علي رأي ضمن تمثيلية المروءة والاهتمام البالغ بأحوال رعاياه ضرورة أن يعود الشاب التونسي المحترق في مشفاه للمواساة والوعد بأخذ حقه ممن ظلموه، لحظتها لم يسمع الشاب المحترق حرفاً مما قال الرئيس، ذلك أنه كان قد انتقل إلي »دار العدل المطلق« ليشكو »بن علي« إلي الله الذي استجاب.

ولم يدر »شاوشيكو« العرب أن زيارة المستشفي هي آخر خروج آمن له من القصر المحروس، والطريق مقطوع المرور، والهليكوبترات التي تحرس الركاب، وجحافل الأمن المنتظرة عودة الرئيس بفارغ الصبر لإصدار الأوامر اللازمة لوأد مظاهرة الذين خرجوا في شوارع الولاية التي حرق فيها الشاب نفسه، وعمل الرئيس اللازم المعتاد في مثل تلك المواقف، قبل أن يلتقي ضاحكاً بـ»الكوافيرة« التي تحتل معه قصر الرئاسة، كما تشاركه الحكم باعتبارها زوجة الوالي، الذي أدرك بما تذيعه قناة الجزيرة يومياً من صور تلقتها من آلاف أجهزة الموبايل التي يحملها المتظاهرون، أنه »مش كل مرة تسلم الجرة«، وذلك بامتداد المظاهرات الصاخبة إلي شوارع ولايات أخري كثيرة، اشتبك أغلبها مع قوي الأمن، التي فشلت ـ بكثرة المتظاهرين والمظاهرات ـ في احتواء الموقف منذ اكتشفت أن هؤلاء المتظاهرين قد كسروا حاجز الخوف، وأن خروجهم هذه المرة لن ينتهي بغير رأس الوالي العمدة، والكوافيرة »العُمداية«.

الغريب أن والي تونس الجاهل سياسياً وزوجته التي »تفك الخط بالعافية«، قد تصورا إمكانية استمرار الخديعة، ومن ثم تحدث الرئيس في تليفزيون الحكومة عدة مرات ـ أولاها عنطزة وآخرها استجداء ـ وهي الأحاديث التي أدرك منها المتظاهرون أن فخامة الرئيس قد انتهي، وأنه يتحدث إليهم من الحمام بسبب »الإسهال الشديد«، الذي أصيب به لأول مرة، وهو الإسهال الذي أدي إلي استعمال فخامة الرئيس الـ»بامبرز« عند هروبه من مطار تونس بطائرات الرئيس الليبي، الذي أبدي أسفه علي ما جري للشعب التونسي، الذي خسر »بن علي«، الذي ينتمي إلي المدرسة نفسها ناصحاً التوانسة ـ بعد إبداء غضبه الشديد علي ما فعلوا ـ بأن يتبعوا مدرسة »اللجان الشعبية«، التي اخترعها العقيد منذ قرابة خمسين عاماً في تجديد غير مسبوق، ولا أعتقد أنه مبتدع!

الأغرب أن بعض الحكام العرب، أو أغلبهم لا يفهمون أن الله حق سوي في »لحظة الفراق«، ولا يفهمون كذلك أن الشعب حق، وأن فهمهم المتأخر هذا لن ينقذ غريقاً مهما حاول أنصاره مد أيديهم إليه، ذلك أنهم مثله غارقون، ومطاردون من ملايين خرجوا من بيوتهم عاقدين العزم علي الشهادة أو العودة برقاب حكامهم والموالين وأن أحداً منهم لن يهرب ـ مهما طالت به الأيام ـ من عقاب يقرر الله وقته ولحظته، وأن ما جري في تونس من »بروفة جنرال« جرت علي الشوارع هناك، قد تكون درساً لمن يفهمون، إلا أنهم ـ لطول الرقاد ـ لا يفهمون، وأن أنصارهم الذين يهمسون في آذانهم ليل نهار سوف يكونون »أول الهاربين« تماماً مثل فئران المراكب لحظة الغرق!!