الإسلام وأصول الحگم‮.. ‬قديم متجدد

د. عمار علي حسن: اقتربنا من الوصول إلي العيد الماسي لأكثر الكتب ذيوعا في تاريخ العرب المحدثين والمعاصرين علي حد سواء. وهو كتاب صغير الحجم، مركز الفكرة، مفعم بالشجاعة، ومثير...

د. عمار علي حسن:

اقتربنا من الوصول إلي العيد الماسي لأكثر الكتب ذيوعا في تاريخ العرب المحدثين والمعاصرين علي حد سواء. وهو كتاب صغير الحجم، مركز الفكرة، مفعم بالشجاعة، ومثير للجدل، فتح الباب لكتب أخري نبتت علي ضفافه، إما ردا عليه قدحا، أو مساندته مدحا، وإما معالجة فكرته الجوهرية ومقصده الذي لم يخطئه صاحبه. إنه كتاب »الإسلام وأصول الحكم« للشيخ علي عبدالرازق، الذي لا يدانيه شهرة سوي كتاب »في الشعر الجاهلي« لطه حسين.


والفكرة الأساسية للكتاب تقول إن الخلافة ليست أصلا من أصول الإسلام، وإنما هي مسألة دنيوية وسياسية أكثر منها دينية، وأن القرآن الكريم والحديث النبوي لم يوردا ما يبين من قريب أو بعيد، كيفية تنصيب الخليفة أو تعيينه، وذلك لأن هذا التنظيم »اختراع بشري« أو »اجتهاد« من قبل صحابة الرسول، صلي الله عليه وسلم، لجأوا إليه ليحافظوا علي تماسك الجماعة المسلمة بعد وفاة النبي. ثم اعتبر عبدالرازق الخلافة »نكبة علي الإسلام والمسلمين، وينبوع شر فاسداً« وراح يسرد من معطيات التاريخ ما يبرهن علي هذا الرأي الصادم في وقتها.

والميزة الكبري للكتاب ليست فقط إعطاءه مثلا في استجابة الفقه للظرف السياسي، حتي لو أنتج رأيا عليه مطعن أو اجتهد اجتهادا عليه مأخذ، بل أيضا معالجته لقضية تتجدد باستمرار في واقع المسلمين، ولا تلوح في الأفق أي بوادر لإمكانية تبددها في المستقبل المنظور، بل إن وطأتها زادت مع صعود نفوذ الجماعات والتنظيمات السياسية ذات الإسناد الإسلامي، أو التي تتخذ من الإسلام، كدين، أيديولوجية أو إطارا لفكرها وممارساتها في المجال العام. يزيد علي ذلك أن الكتاب في حينه كان يبدو »ثورة فكرية« أو »خروجا ظاهرا« علي رؤي تقليدية، بغية تأسيس مسار مدني للدولة الشرقية، التي كانت لا تزال خارجة لتوها من فلك الصيغة الإمبراطورية.

لكن الميزة الأكبر لهذا الكتاب، في ظني، هي أنه لم يسقط بالتقادم، أو يحال إلي تاريخ المعرفة، بل لا يزال حيا بين ظهرانينا، وكأن قد تم تأليفه للحظة الراهنة، أو تلك المتوقع أن نحياها، ولا فكاك منها، وكما أنها تعيش بيننا عيانا بيانا، فإنها قادمة لا ريب فيها. وتبقي هذه الميزة قائمة في فكرة الكتاب ومضمونه، حتي لو كان صاحبه قد انحرف عن دوره، أو قام بدور لا يروق لكثيرين.

فربما كان علي عبدالرازق هو »مثقف السياق« الذي يلبي حاجة متغيرة، تفرضها عليه قوة خارجية عنه، أو ينجذب هو إليها ليؤدي لها خدمة تنتظرها، وقد لا تعرف هي ذاتها كيف تدبرها. وربما كان هو »المثقف الأزلي« أو »المثقف الحقيقي« الذي يلبي نداء داخله، يدفعه إلي أن يقول كلاما محددا، ويسير في طريق معينة، بغية نصرة الحق، وإزهاق الباطل، من دون مساومة ولا تردد. لكن بغض النظر عن الفروق الجوهرية بين هذين النمطين من المثقفين، فإن عبدالرازق كان علي الأقل يلعب دور »المثقف الناقد« الذي يخرج علي المألوف، ويقلب السائد علي وجوهه المتعددة، وليس »المثقف الاحترافي« أو »الاختصاصي« الذي يكتب ما يملي عليه، أو يفصل ويشرح بإسهاب الفكرة المركزية التي تعطي إليه، من دون أن يختارها، أو يكون له رأي في اختيار غيرها، أو تفصيلها علي نحو يخالف ما قصده أصحابها. كما أنه لم يكن الكاتب الذي يرضي بمجرد نقل المعرفة، أو الفقيه الذي يستسلم لما أورده سلفه من اجتهادات، ولا يتعداها.

والحديث الذي أدلي به عبد الرازق لجريدة »البورس إيجيبسين« ونشرته جريدة السياسة مترجما في عددها الصادر في الرابع عشر من أغسطس سنة 1925، يثبت كيف كان في بداية المعركة مقتنعا بما كتب، غير مبالٍ بالعاقبة، وكأنه يدرك أن هذا قدر »المثقف المختلف«. فحين سأله مندوب الجريدة: هل يخرجك حكم علماء الأزهر من الإسلام؟ أجاب في غضب: كلا علي الإطلاق. الحكم أخرجني من هيئة علماء الأزهر، وهي هيئة علمية أكثر منها دينية، ولم ينشئها الدين الإسلامي ولكن أنشأها مشرع مدني لم تكن له أي صفة دينية ولأغراض إدارية. وبناء عليه فإنني لن أكون في حسن الإيمان والإخلاص للإسلام أقل من أولئك العلماء الذين قضوا بإخراجي«.

ورغم أن علي عبدالرازق قد ألف ثلاثة كتب أخري هي: »أمالي علي عبدالرازق« و »الإجماع في الشريعة الإسلامية« و»من آثار مصطفي عبدالرازق« فإنه لم يعرف إلا بكتابه الرابع، الذي رام منه فصل الدين عن السلطة فصلا ظاهرا لا لبس فيه ولا مماحكة أو مداورة. ولم يشأ أبدا أن يقف في منتصف المسافات، أو يميل إلي أنصاف الحلول في قضية شائكة، طالما سببت لكل من أبدي فيها رأيا يخالف التصور الموروث أذي تراوح بين التجهيل والتفسيق وصولا إلي التكفير، أو علي الأقل المحاكمة والطرد من »هيئة كبار علماء الأزهر«، كما جري لعبدالرازق، الذي عمل بالمحاماة، ثم انتخب عضوا في مجلس النواب، ثم عضوا في مجلس الشيوخ، ثم اختير وزيرا للأوقاف، وحاضر طلبة الدكتوراه في جامعة القاهرة عشرين عاما في مصادر الفقه الإسلامي.

لكن أي سياق كان عبدالرازق مثقفه، أو أي ظروف أنتجت هذا الكتاب المثير للجدل؟ والإجابة التي ترد علي أغلب الألسن، إن لم تكن جميعها، أن الكتاب ابن المعركة الفكرية التي دارت رحاها في مصر عقب إلغاء مصطفي كمال أتاتورك لـ»الخلافة الإسلامية« سنة 1924. فالأزهر حمل بشدة علي أتاتورك، ودعا إلي عقد مؤتمر لبحث هذه المسألة، وتعالت أصوات تنادي بأن يكون »الملك فؤاد« خليفة للمسلمين. وفي المقابل كان هناك تيار سياسي يهاجم الخلافة، ويتمني ألا تعود أبدا، يقف علي رأسه »حزب الأحرار الدستوريين«، الذي كان أفراد من أسرة عبد الرازق يقفون في طليعته، ولذا أهدي المؤلف نسخة من كتابه إلي صديقه الدكتور محمد حسين هيكل، رئيس تحرير جريدة »السياسة« لسان حال هذا الحزب، التي لعبت دورا كبيرا في الترويج للكتاب، وفي الدفاع عن مضمونه، وعن مؤلفه.

لكن هناك من يشكك في هذا السياق المألوف، ويحيل فترة تأليف الكتاب إلي أيام الحرب العالمية الأولي (1914 ـ 1918) وفي مطلع هؤلاء الدكتور محمد ضياء الدين الريس، الذي كرس جل جهده الوافر لترسيخ أركان »النظرية السياسية للإسلام«. ففي كتابه »الإسلام والخلافة في العصر الحديث: نقد كتاب الإسلام وأصول الحكم« ذهب الريس إلي أن كتاب علي عبدالرازق قد تم تأليفه بين سنتي 1915 و1917، كما نص المؤلف نفسه علي ذلك في المقدمة، وهي مسألة تدل عليها وتسندها إشارة المتن إلي الخليفة العثماني محمد الخامس، الذي انتهي حكمه في السنة التي انتهت فيها الحرب الأولي.

وقد حاول الريس أن يقطع الطريق علي مؤلف »الإسلام وأصول الحكم«، ويهز الدعامة التي اتخذها مناصروه اللاحقين سندا لهم، وهي تلك التي تعتبر الكتاب أطروحة شجاعة في وجه الملك فؤاد، الذي لم يكن أهلا لحمل لواء الخلافة بعد سقوطها. فالريس يري أن فؤاد لم يظهر أي رغبة في الخلافة، بل إنه كتب ذات مرة إلي سعد زغلول يقول: »كيف أقوم بالواجب نحو جميع المسلمين، مع أن حملي ثقيل بالنسبة لمصر وحدها؟« كما أن الملك كان قريبا من »الأحرار الدستوريين«، الذين باركوا ما فعله أتاتورك. أكثر من ذلك يستشهد الريس بما كتبه عبدالرازق نفسه مادحا فؤاد، ونافيا أن يكون قد قصده بأي سوء، فهاهو ينشر في جريدة »السياسة«: »ملك مصر أعز الله دولته هو أول ملك عرفه الإسلام في مصر ملكا دستوريا ينصر العلم والعلماء ويؤيد في بلده مبادئ الحرية«.

وتتوالي فصول المعركة، ويتسع نطاقها، بعد أن دخل فيها المختلفون فكريا وسياسيا، ويصل الأمر إلي حد التشكيك في أن يكون عبدالرازق هو المؤلف الحقيقي للكتاب. وهذا ما سنتناوله في المقال المقبل إن شاء الله تعالي.