من هوجة‮ »‬الملاگمين‮« ‬إلي الثورة‮ »‬الشعبية‮« ‬إلي النهضة‮ »‬المعاصرة‮«‬

:  شريف عطية احتفلت جمهورية الصين الشعبية بالذكري الستين لإعلان النظام الشيوعي بعرض عسكري ضخم، لا سابق له منذ تأسيسها، شاركت فيه قوات من مختلف الأسلحة وآليات ضخمة حملت صواريخ...

: شريف عطية

احتفلت جمهورية الصين الشعبية بالذكري الستين لإعلان النظام الشيوعي بعرض عسكري ضخم، لا سابق له منذ تأسيسها، شاركت فيه قوات من مختلف الأسلحة وآليات ضخمة حملت صواريخ ذات قدرة نووية، وأخلي آلاف الجنود وسط بكين من المارة لإفساح الطريق أمام موكب العيد الوطني لتأسيس الجمهورية في الأول من »أكتوبر« 1949، وتحول ميدان تيانانمين إلي مسرح عالي التقنية لعرض إنجازات الحزب الشيوعي الحاكم. وتابع الرئيس الصيني هوجين تاو العرض وهو يرتدي سترة الزعيم الراحل ماوتسي تونغ الرمادية التقليدية. وذكرت وسائل إعلام رسمية أن القوات الجوية الصينية »أطلقت مواد كيماوية لها مفعول السحر واستخدمت التكنولوجيا لتنقية الأجواء الملوثة للعاصمة قبل الاحتفال »رويترز«.


ليس من دولة من ممالك العالم القديمة.. مثل الصين، احتفظت بتراثها الحضاري.. وبنت عليه.. رغم المحن، لكي تصبح في عداد الدول الكبري.. ولتحتفل أكتوبر الحالي باليوبيل »الزمردي« لثورتها الشعبية التي انطلقت عبر مسيرة استثنائية.. لتحول بين الصين وأن تنتهي كلقمة سائغة للفاتحين، منذ كانت في تاريخها القديم هدفا للغزاة، كالقبائل، التي كانت تأتيها من الداخل طلبا للغذاء والثروة، أو من الغزاة المحدثين (..) في الثلثمائة عام الأخيرة.. وحيث لم تبق نقطة من نقاط محيط الصين الممتد إلي 12600 ميل.. بمنجاة من شكل أو آخر من أشكال الضغط، الأمر الذي أفضي بالصينيين في نهاية القرن التاسع عشر إلي انتفاضة دموية سميت بـ»الملاكمين«.. استباحت بقسوة كل ما يمت للأفكار الغربية بصلة، قبل أن يتم سحقها بقوة في أغسطس 1900 بواسطة تسعة أقطار غربية مع اليابان، ولتبلغ الصين بداية القرن العشرين -منهوكة- إلي الحد الذي وُصفت برجل آسيا المريض.. وتوقع لها الكثيرون نفس المصير الذي لحق بالامبراطورية العثمانية، في أن تتوزع أشلاؤها مختلف البلاد، ولتشكل هذه التجارب التاريخية الذاتية.. المفتاح الأساسي لفهم سلوكيات »ماوتسي تونج« ورفاقه منذ إعلان المسيرة الثورية حتي نجاحها في إقامة الدولة 1949، مروراً بالثورة الثقافية نهاية الستينيات، كذا لفهم ما وراء اصرار وتواصل هذه النخب الصينية المعاصرة.. لكي تؤكد لبلادها مكانها تحت الشمس، وليبلغ نشاط الصين الاقتصادي والسياسي والتقني في أقل من نصف قرن مبلغاً متزايداً باطراد.. يثير الدهشة والإعجاب، وربما الحسد، في آن واحد، مفضيا إلي فجر عهد جديد تأست به آسيا كلها- أو تكاد، ولتتبني الصين- من بعد- استراتيجية المساعدات مقابل النفوذ في الدول النامية.. خاصة في افريقيا، ناهيك عن وضعها المالي كأكبر مدين للولايات المتحدة الأمريكية.. التي كان بروز الصين، الخالب للألباب، هو محور انبعاث وشيك لما يسمي بـ»خطابها الأفولي« من قمقمه مرة أخري، علي حد تعبير »الفورين افيرز« سبتمبر الماضي، إذ يري المتوقعون لهذا الخطاب الأفولي.. أن من وراءه هيمنة الصين الوشيكة علي النظام العالمي.

إلي هذا السياق المثير في تنوعه.. الذي قطعته الصين عبر القرن العشرين كله حتي مشارف القرن الجديد من التطرف القاصر لدي من هوجة »الملاكمين« الإرهابيين 1900.. التي أسلمت البلاد للانسحاق تحت سنابك القوي الأجنبية، إلي »الثورة الشعبية« التي قادها »ماو« 1949.. التي نقلت الصين في أقل من عقدين لمشارف عصر القوة، إلي أن شق رجل الصين القوي »هسياو دنج« طريق الصين إلي عصر الأسواق الحرة والعولمة.. حين أعلن في ديسمبر 1978 أن »الوقائع هي معيار الحقائق منذ اليوم«، وليخطو بالصين -من بعد- خطوات حذرة وعملية يغلب عليها معيار »النتيجة والمردود«، مطلقا المأثورة التي أصبحت مثلا.. »ليس من المهم لون القطة.. بيضاء أو سوداء، المهم أن تأكل الفئران«، وحيث لم يتوقع أحد أن ينمو الناتج الإجمالي المحلي للصين.. عشرة أضعاف في حياة جيل واحد من الناس، ربما بسبب إدراك »دنج« وخلفائه بثورتهم المضادة، أن الديكتاتورية الشيوعية هي التي أتاحت للاشتراكية الصينية أن تتوازي مع المطالب الشعبية، وأن تشبع رغباتها.. بهواء نقي وماء نظيف وعدالة وحكم القانون وحرية ليست غير مسئولة، ولتنبعث.. من ثم الصين المعاصرة.. التي حققت مضاعفة الأعمار، والتفوق في التعليم، والوفرة في التصنيع، والريادة الاقتصادية، والتقدم التقني، وعسكرة الفضاء.. عبر إدارة مركزية واعية وناجزة.

فهل يقدم صعود الصين- السريع والمبرمج- إلي عنان السماء..»العزاء« للعالم العربي لربما ينتزع أقدامه التي لا تزال مغروسة في وحل الأرض؟.