إنهم يجهزون‬ »الحديقة« للاستثمار!‬

محمود گامل: لا أدري لماذا أصاب بالحساسية كلما قرأت تصريحاً صحفياً لوزير الزراعة بالذات مع أنني لا أملك شبراً في أرض زراعية، أي أنني لست من ضحاياه كمزارع، وإنما أنا...

محمود گامل:

لا أدري لماذا أصاب بالحساسية كلما قرأت تصريحاً صحفياً لوزير الزراعة بالذات مع أنني لا أملك شبراً في أرض زراعية، أي أنني لست من ضحاياه كمزارع، وإنما أنا مثل كل المصريين من ضحاياه كوزير للزراعة ترك الحبل علي الغارب للصرف الصحي الذي تروي به خضروات وفواكه تدخل بطوننا ضمن منظومة »التخلص من المصريين بالتلوث« برعاية حكومية.. ولا مِن شاف .. ولامن دري !


والحساسية ضد تصريحات الوزير غالباً لا تصيبني -مثل كل الحساسيات- بالهرش، ذلك أن تصريحاته الأخيرة حول »حديقة حيوان الجيزة« أصابتني بحساسية جديدة هي أن »كل فئران مصر« أصبحت تلعب »في عِبّي« علي رأي المثل، خاصة ما قاله عن وضع الحديقة - التي كانت دولية قبل أزهي العصور- علي خريطة الاستثمار السياحي بعد مقدمة طويلة عن تطوير المسطحات الخضراء، وتكثيف الرعاية البيطرية للحيوانات، لتنتهي المقدمة الكلامية للوزير بطرح الحديقة »للاستثمار« للشركات الكبري، واستغلال العائد في أعمال تطوير الحديقة !

وبمتابعة كل صفقات الخصخصة الحكومية التي بيع خلالها نصف مصر دون عائد حقيقي علي حياة الناس، فإن كل تلك العمليات بدأت كلها بعناوين »إعادة الهيكلة« و»التخلص من أعباء المشروعات الفاشلة«، و»دعم خطط التنمية« إلي آخر تلك العبارات »اللولبية« التي يتقنها بتوع »الثلاث ورقات« في الموالد في إطار »عمليات نصب« مفضوحة علي مرتادي تلك الموالد من السذج والريفيين، رغم أن الشعب المصري الصديق ليس كذلك !

ورغم المقولة القديمة بأن »الكذب م لوش رجلين«، فإن الكذب الآن في مصر له رجلين، ورجلين طويلة كمان، ما لم يكن له 44 رجلاً مثل »أم أربعة وأربعين«، وهو ما أسقط أي ثقة بين الحكومة التي تمثلها تصريحات ووعود وزارية لا تتحقق وبين الناس الذين يكتوون في حياتهم اليومية بما يؤكد كذب كل ما يسمعون حيث »الميه تكدب الغطاس «!

ويقضي مخطط التطوير الذي »يغلّف« الوزير به حقيقة الطرح للمستثمرين بتحويل حديقة حيوان الجيزة إلي »منشأة ذات طابع خاص« منفصل عن ميزانية الدولة - أي إخراجها من عباءة الحكومة -»لاستفراد« الاستثمار بها، يكون لها صندوق خاص مستقل لجميع الإيرادات للصرف علي أنشطة الحديقة وأغراضها، -وذراً للرمال في العيون- فإن هذا الصندوق طبقا لكلام الوزير - يخضع للمساءلة والمحاسبة من الجهاز المركزي للمحاسبات، مع السماح بتلقي المساعدات المادية والعينية من مختلف الجهات !

ولأنه »يكاد المريب أن يقول خذوني« فإن الوزير لم ينس القول بأن خطط تطوير الحديقة لا تعني خصخصتها، أو حتي مجرد التفكير في ذلك لاعتبارات كثيرة منها البعد الاجتماعي، والمكانة التاريخية للحديقة، وهي نفس الكلمات التي قيلت سابقاً عن مشروعات ذات أهمية قومية في مرحلة الاعداد للخصخصة تمهيداً للبيع الذي تم برخص التراب للمشترين من الحبايب والأنصار، ويا بخت من نفع واستنفع !

ورغم أرهاصات كل المصريين بأن فكرة بيع أراضي الحديقة ذات الموقع الخطير متخمرة في ذهن الحكومة منذ سنين، ورغم اعتراض الرأي العام المصري علي الفكرة، وتصدي العديد من الكتاب -غير بتوع الحكومة- للاستثمار الجهنمي فإن الحديقة سوف تباع.. سوف بتاع، أي أنه مفيش فايدة في كل الاعتراضات التي أبديت بهذا الشأن، حيث إن الحكومة الالكترونية - مثلها قبل سابقاتها غير الالكترونية - عندها »جينات الطرش« الوراثية منذ ما يقرب من ثلاثين عاماً، وهو »طرش« لا يقتصر علي حاسة السمع فقط، وإنما يمتد إلي »العمي« الكامل اقتداء بحكمة »القرود الثلاثة« إلا فيما يختص بـ»لا أتكلم«، ذلك أنها أكثر الحكومات كلاماً مثلما هو ضجيج المطاحن، ولكن بغير »طحين «!