‮»‬النمور الآسيوية‮« ‬تعاني ركوداً‮ ‬مزدوجاً‮ ‬وتبحث عن حلول‮ ‬غير تقليدية

علاء رشدي:  ن كانت غالبية الاقتصادات الآسيوية نموذجاً يحتذي به في التفوق والنمو القوي المتسارع حتي أطلق عليها النمور، تضررت تلك الدول الصاعدة بشكل خطير من الأزمة  المالية والاقتصاد

علاء رشدي:

ن كانت غالبية الاقتصادات الآسيوية نموذجاً يحتذي به في التفوق والنمو القوي المتسارع حتي أطلق عليها النمور، تضررت تلك الدول الصاعدة بشكل خطير من الأزمة المالية والاقتصادية العالمية رغم عدم تعرضها للعوامل التي فجرت الأزمة كما حدث في الولايات المتحدة وأوروبا، وهنا تكمن المفارقة.

فتقول مجلة الايكونومست إنه في الوقت الذي أفرط فيه المستهلكون الأمريكيون والأوروبيون في الاقتراض، كان نظراؤهم الآسيويون يزيدون من حجم مدخراتهم. وعندما اندفعت البنوك في الولايات المتحدة وغرب أوروبا في الاستثمار في الأصول عالية المخاطر، كانت استثمارات البنوك الآسيوية في تلك الأصول ضعيفة للغاية، وعندما أفرطت أمريكا وبريطانيا في الاقتراض من الخارج وكانت الحكومات الآسيوية تزيد حجم احتياطياتها من النقد الأجنبي.

وإذا كانت الأزمة المالية الآسيوية السابقة التي اندلعت في نهاية التسعينيات من القرن الماضي جاءت نتيجة اعتماد النمور الآسيوية الصاعدة المكثف علي رأس المال الأجنبي، فإن الأزمة الحالية ظهرت علي السطح بسبب الاعتماد المكثف علي الصادرات. فقد تراجعت صادرات غالبية الدول الآسيوية وفي مقدمتها هونج كونج وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان بما يزيد علي %50 في الربع الأخير من عام 2008 نتيجة للأزمة المالية وأدي الركود الاقتصادي الحاد الذي ضرب الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، وتراجع معدلات النمو الاقتصادي في مناطق أخري من العالم، إلي انخفاض الناتج المحلي الإجمالي في تلك الدول الآسيوية بحوالي %15 في المتوسط في نفس الفترة، كما شهدت أسواق الأسهم الآسيوية هبوطاً حاداً اقتربت نسبته من مثيله أثناء الأزمة المالية السابقة منذ عقد من الزمان.

وتشير الايكونومست إلي أن الربع الأخير من العام الماضي شهد تراجع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي علي أساس سنوي في كوريا الجنوبية بنسبة %21، وفي سنغافورة بنسبة %17 والتي أقرت حكومتها بأن اقتصادها ربما ينكمش بنسبة %5 خلال العام الحالي في أسوأ ركود حاد من نوعه منذ استقلال البلاد في عام 1965، مقارنة بمعدل نمو بلغ %7.5 في المتوسط سنوياً تمتعت به النمور الآسيوية الصاعدة خلال العقد الماضي. حيث استفادت تلك الاقتصادات المتحدة بشكل رئيس علي التصدير من زيادة انفاق المستهلكين الأمريكيين حتي تعرضت الضربة الأخيرة بسبب الركود الاقتصادي وضعف الانفاق الاستهلاكي في الولايات المتحدة والدول المتقدمة.

ومما زاد الطين بلة علي حد قول المجلة أن التراجع الحاد في الصادرات الآسيوية تزامن مع أزمة الائتمان العالمية وصعوبة الحصول علي قروض من أسواق الاقراض الدولية، إضافة إلي انخفاض حجم التجارة البينية في منطقة آسيا بدرجة أكبر من صادرات الدول الآسيوية لأمريكا وأوروبا . ففي شهر ديسمبر الماضي انخفضت صادرات دول آسيا المتجهة للصين بنسبة %27 مقارنة بنفس الشهر من عام 2007، علي الجانب الآخر يري فريق من الخبراء والمحللين أن صدمة التراجع الحاد في الصادرات ليست السبب الرئيسي الوحيد لأوجاع الاقتصادات الآسيوية، فقد تراجعت الواردات الآسيوية أيضا بمعدلات ربما تجاوزت انخفاض الصادرات نظراً لضعف الطلب الداخلي، وهو ما يفسر جزءاً كبيراً من المشكلة الحالية التي تواجه اقتصادات آسيا. ففي الصين علي سبيل المثال يعد ضعف الانفاق الاستهلاكي المحلي مسئولاً عما يزيد علي نصف التباطؤ الذي شهده الاقتصاد الصيني في عام 2008.

وفي بقية الدول الآسيوية شهد الانفاق الاستهلاكي هبوطاً حاداً، ففي خلال الاثني عشر شهراً الماضية انخفضت مبيعات التجزئة بنسبة %11 في تايوان، %6 في سنغافورة، %3 في هونج كونج، وتراجعت أسعار المنازل والعقارات وانهارت الأسعار في أسواق الأسهم. وأشار بحث أجراه خبراء اقتصاديون ببنك HSBC البريطاني إلي أن الاقتصادات الآسيوية تعاني نوعين من الركود في نفس الوقت أحدهما داخلي وآخر خارجي. فالطلب المحلي كان من المفترض أن ينمو ليعوض نقص الصادرات. ولكنه تراجع مسدداً ضربة مزدوجة لاقتصادات المنطقة.

فقد أدي ارتفاع أسعار الأغذية والطاقة في النصف الأول من عام 2008 إلي تقلص أرباح الشركات وتراجع القوة الشرائية للمستهلكين في آسيا، حيث ينفق جزء كبير من ميزانية الأسر الآسيوية علي الغذاء والطاقة مقارنة بغالبية مناطق العالم. كما أدت السياسات النقدية المتشددة في العديد من الدول الآسيوية ومن بينها الصين وكوريا الجنوبية وتايوان والتي استهدفت كبح جماح التضخم إلي مزيد من الضغوط علي القوة الشرائية للمواطنين مسببة تراجع الانفاق الاستهلاكي المحلي بشكل كبير.

وأضاف البحث أن الركودين الداخلي والخارجي يزيد كل منها من حدة الآخر في حلقة مفرغة تسبب مزيداً من الأضرار للاقتصاد الكلي، فتراجع الصادرات يجبر الشركات علي خفض النفقات وتقليص الاستثمارات وتسريح العمالة. وبدوره يؤدي إلي مزيد من الضعف في الانفاق الاستهلاكي وتراجع القوة الشرائية للمواطنين. وقد ارتفع نصيب الصادرات في الناتج المحلي الإجمالي الآسيوي من %37 منذ عشر سنوات ليصل حالياً إلي %47، وتختلف هذه النسبة من دولة إلي أخري، ففي الهند تقدر بـ%14، فيما تصل في سنغافورة إلي %186. أما اليابان والتي ينظر فيها إلي الصادرات باعتبارها المحرك الرئيسي للاقتصاد فإن صادراتها لا تشكل سوي %16 من الناتج المحلي الإجمالي، وفي الصين تشكل الصادرات %36 من الناتج المحلي الإجمالي.

ويري خبراء ومحللون أن تعافي آسيا من أزمات الركود السابقة اعتمد بدرجة كبيرة علي انتعاش صادراتها للدول الغنية المتقدمة، وهو ما لن يحدث قريباً في ظل الأزمة العالمية الحالية، حيث يتطلب الأمر طرح بدائل أخري لتجاوز الأزمة والتعافي بشكل سريع نسبياً. ويعتقد المحللون أن الدول الآسيوية عليها أن تبذل جهوداً مكثفة لزيادة الطلب المحلي ودعم القوة الشرائية لمستهلكيها ربما يشجعها في هذا المجال تراجع أسعار البترول والسلع والأغذية. وعليها أيضا أن تتبني سياسات مالية ونقدية توسعية لتشجيع الشركات والأفراد علي زيادة الاقتراض ومن ثم زيادة الانفاق وتعافي الاستثمارات، خاصة أن ديون الأفراد والشركات عند مستويات متوسطة ولم تصل بعد إلي مستويات خطيرة وتعثر في السداد كما حدث في الولايات المتحدة، وأوروبا.