د. عمار على حسن :
هناك شح ظاهر في البحوث الجادة التي تتصدي لدراسة »ظاهرة القرصنة« أوجده في الأساس غموض عالم لصوص البحار، وقلة المعلومات المتوافرة عنه، في ظل صعوبة وصول الدارسين والباحثين إلي هؤلاء، وندرة سيرهم الذاتية المكتوبة، وقدم تجاربهم المريرة وتنوعها، وتعقد الكتابة عنهم، واستعصائها علي فرد واحد حتي لو كان مسلحا بمعرفة موسوعية أو إحاطية، بل إن مجموعة من الباحثين ليس بوسعها أن تقف علي هذه الظاهرة المتجذرة في تاريخ الإنسانية المديد وقوفا ضافيا، إلا بجهد بالغ، وتمويل طائل، وانكباب كامل أو تفرغ تام لها علي مدار وقت كاف.
لكن شح المعرفة وضعف الإلمام بهذه الظاهرة في بعديها التاريخي والثقافي لا تصد ولا ترد عن إمعان النظر في صورتها الأخيرة التي توافرت عنها معلومات غزيرة نسبيا، بعد أن صارت عربية الطابع، بفعل قيامها علي أكتاف مجموعات صومالية، بعد أن جالت وطافت في مشارق الأرض ومغاربها علي مدار حياة الناس علي الأرض، منذ أن مخرت السفن عباب أعالي البحار، حيث لم تترك القرصنة أمة ولا شعبا إلا ووصمته ببعض عوراتها.
ولم يعد من المستساغ أن يتعامل العرب بأعصاب باردة مع »ظاهرة القرصنة« التي تجري علي قدم وساق في مياه المحيط الهندي وخليج عدن، ليس فقط لأنها تنطلق من أرض دولة عربية هي الصومال، بل أيضا لأنها ترمي إلي النيل من الأمن القومي العربي برمته، لاسيما بعد أن تكشفت تدابير واستراتيجيات مضادة تروم تدويل البحر الأحمر، وإضعاف الدور الحيوي الذي تلعبه قناة السويس في حركة الملاحة الدولية لصالح إحياء مشروع »قناة البحرين« الإسرائيلية.
ويؤدي استفحال ظاهرة القرصنة هذه إلي تبديد آمال عمرها سنون عقدتها مصر علي »قناة السويس«، الشريان الحيوي والتاريخي لحركة التجارة الدولية المتدفقة بلا هوادة، والتي تصب في شرايين عولمة اقتصادية كاسحة، لا يزال النقل البحري إحدي ركائزها الأساسية رغم السرعة الفائقة التي شهدها النقل البري والجوي، والطفرة الرهيبة التي قفزتها الاتصالات، بما حول الكرة الأرضية إلي قرية صغيرة.
وتعني القرصنة في جوهرها التعدي علي حقوق الآخرين، وتنصرف بصيغة مباشرة إلي ارتكاب جريمة سرقة في عرض البحار أو علي شواطئها، بيد عميل أو لص غير مدفوع من أي دولة أو حكومة. وتتطلب القرصنة شروطاً أساسية لقيامها، منها: توافر مواد أولية لصناعة السفن، وكذلك الورش والأيدي المهرة، ثم أسواق لتصريف البضائع المستولي عليها.
وطيلة التاريخ البشري المديد ظلت القرصنة مجالا خصبا للأدباء فأنتجوا علي بساطها قصصاً وروايات تتراوح بين الواقعي والأسطوري، حفلت بها بعض الملاحم الشهيرة مثل الإلياذة والأوديسا، وجاءت السينما لتلقط هذه السرديات العامرة بالغرائب والأعاجيب وتصنع منها أفلاما شاهدها المليارات في كل أرجاء العالم.
وشكلت القرصنة هنا فصلا عريضا من فصول رهبة البحر لدي البشر، والتي تم التعبير عنها شعرا ونثرا وسينمائيا، لتتراكم لدي الإنسانية علامات عديدة علي خشية البحر، والخوف من المجهول الذي لا يمكن التنبؤ بما يخبئه، واستحالة السيطرة علي قواه المدمرة، جنبا إلي جنب مع علامات علي إثارة البحر لروح التحدي والمغامرة والإبداع والخيال، وكعنصر لا غني عنه في الحياة، حيث تُنقل السلع جميعها، وتمتد الجسور بين الثقافات، عبر سفن تحمل الأفكار إلي جانب البضائع والناس.
وقد امتد المصطلح إلي عالم الحاسوب فصار يعرف بأنه عملية نسخ البرامج الإلكترونية وبيعها، واستخدام الشبكات في التجسس والحصول علي المعلومات، ويشمل أيضا مهاجمة موقع إلكتروني وتدميره إن أمكن.
وحسب ما أورده الباحث الروسي ياتسيك ماخوفسكي في كتابه المهم »تاريخ القرصنة في العالم« فإن هذا التاريخ يعود إلي أكثر من ثلاثة آلاف سنة، لكن كلمة قرصان لم يتفوه بها أحد قبل عام 140 قبل الميلاد حين سطرها المؤرخ الروماني بوليبيوس. وعاد نظيره اليوناني بلوتارك ليرددها في نهاية القرن الأول قبل الميلاد، الذي ازدهرت فيه أعمال القرصنة، والتي كان أول ظهور لها في البحر المتوسط، حين استخدم أعداء الإمبراطورية الرومانية لصوص البحر لضرب مصالحها.
وقد أصبح القراصنة أيامها قوة ضاربة، حيث وصلت أعدادهم إلي الآلاف وكانت لديهم أكثر من ألف سفينة، وبحوزتهم الأسلحة والقلاع، فتمكنوا من مهاجمة السفن والموانئ، وخطف حكام وقضاة رومان، وطلبوا فديات كبيرة من المدن الساحلية والموانئ حتي يمكنها أن تعيش في سلام. ووصلت جرأة هؤلاء القراصنة إلي مهاجمة الأسطول الروماني الراسي في ميناء أوسيتيا فحطموه، ووضعوا روما علي أبواب مجاعة نتيجة انقطاع طريقها التجاري. وفشلت عدة حملات جردها الرومان في القضاء علي القراصنة، حتي جاء القائد بومباي عام 67 قبل الميلاد ليقود جيشا جرارا مكونا من مائة وعشرين ألف جندي مشاة، وخمسة آلاف فارس وخمسمائة سفينة، ويتمكن من هزيمة القراصنة وأسر عشرين ألفا منهم وتدمير نحو ألف وثلاثمائة سفينة لهم.
وولدت حركة القرصنة قوية من جديد علي قبائل الفايكنج، الذين يقطنون الدول الإسكندنافية. وفي القرن التاسع الميلادي أخذ بحارة الفايكنج في الاتجاه شمالا وغربا وجنوبا، فوصلوا إلي أيسلندا وجرينلاند وكندا، ثم بلغوا شواطئ إنجلترا عام 787 م، واستولوا عليها وحكموها. وفي التاسع عشر هاجم القراصنة الفايكنج باريس، فاضطر ملوك فرنسا إلي دفع مبالغ طائلة لهم حتي يتقوا شرهم، وتمكن بعضهم من الاستيلاء علي منطقة نورماندي شمال فرنسا، واستوطنوها واختلطوا بسكانها، وصاروا مع الأيام منهم، وأسسوا أقوي الممالك في أوروبا خلال القرن الثاني عشر الميلادي في صقلية وانجلترا.
ومارس البحارة الإنجليز أنفسهم أعمال القرصنة ضد السفن الإسبانية التي تمخر عباب القنال الإنجليزي عائدة من المستعمرات الإسبانية محملة بكل ما هو مفيد ونفيس. وامتدت هجماتهم إلي حدود إسبانيا القريبة وسواحل مستعمراتها في أمريكا اللاتينية. وفي القرن السابع عشر أسس قراصنة جزر الهند الغربية منظمة أطلقوا عليها »إخوان الشاطئ« أو »البوكانير« وتخصصوا في نهب السفن الإسبانية.
وخلال القرنين السابع عشر والثامن عشر بلغت القرصنة ذروتها، مع نمو القوة المركزية القوية في اليابان في ظل التكوجاوا شوجونيت (1603 - 1867)، لكن أسرة شمي يانج التي حكمت الصين تمكنت من القضاء علي معظم القراصنة.
هناك شح ظاهر في البحوث الجادة التي تتصدي لدراسة »ظاهرة القرصنة« أوجده في الأساس غموض عالم لصوص البحار، وقلة المعلومات المتوافرة عنه، في ظل صعوبة وصول الدارسين والباحثين إلي هؤلاء، وندرة سيرهم الذاتية المكتوبة، وقدم تجاربهم المريرة وتنوعها، وتعقد الكتابة عنهم، واستعصائها علي فرد واحد حتي لو كان مسلحا بمعرفة موسوعية أو إحاطية، بل إن مجموعة من الباحثين ليس بوسعها أن تقف علي هذه الظاهرة المتجذرة في تاريخ الإنسانية المديد وقوفا ضافيا، إلا بجهد بالغ، وتمويل طائل، وانكباب كامل أو تفرغ تام لها علي مدار وقت كاف.
لكن شح المعرفة وضعف الإلمام بهذه الظاهرة في بعديها التاريخي والثقافي لا تصد ولا ترد عن إمعان النظر في صورتها الأخيرة التي توافرت عنها معلومات غزيرة نسبيا، بعد أن صارت عربية الطابع، بفعل قيامها علي أكتاف مجموعات صومالية، بعد أن جالت وطافت في مشارق الأرض ومغاربها علي مدار حياة الناس علي الأرض، منذ أن مخرت السفن عباب أعالي البحار، حيث لم تترك القرصنة أمة ولا شعبا إلا ووصمته ببعض عوراتها.
ولم يعد من المستساغ أن يتعامل العرب بأعصاب باردة مع »ظاهرة القرصنة« التي تجري علي قدم وساق في مياه المحيط الهندي وخليج عدن، ليس فقط لأنها تنطلق من أرض دولة عربية هي الصومال، بل أيضا لأنها ترمي إلي النيل من الأمن القومي العربي برمته، لاسيما بعد أن تكشفت تدابير واستراتيجيات مضادة تروم تدويل البحر الأحمر، وإضعاف الدور الحيوي الذي تلعبه قناة السويس في حركة الملاحة الدولية لصالح إحياء مشروع »قناة البحرين« الإسرائيلية.
ويؤدي استفحال ظاهرة القرصنة هذه إلي تبديد آمال عمرها سنون عقدتها مصر علي »قناة السويس«، الشريان الحيوي والتاريخي لحركة التجارة الدولية المتدفقة بلا هوادة، والتي تصب في شرايين عولمة اقتصادية كاسحة، لا يزال النقل البحري إحدي ركائزها الأساسية رغم السرعة الفائقة التي شهدها النقل البري والجوي، والطفرة الرهيبة التي قفزتها الاتصالات، بما حول الكرة الأرضية إلي قرية صغيرة.
وتعني القرصنة في جوهرها التعدي علي حقوق الآخرين، وتنصرف بصيغة مباشرة إلي ارتكاب جريمة سرقة في عرض البحار أو علي شواطئها، بيد عميل أو لص غير مدفوع من أي دولة أو حكومة. وتتطلب القرصنة شروطاً أساسية لقيامها، منها: توافر مواد أولية لصناعة السفن، وكذلك الورش والأيدي المهرة، ثم أسواق لتصريف البضائع المستولي عليها.
وطيلة التاريخ البشري المديد ظلت القرصنة مجالا خصبا للأدباء فأنتجوا علي بساطها قصصاً وروايات تتراوح بين الواقعي والأسطوري، حفلت بها بعض الملاحم الشهيرة مثل الإلياذة والأوديسا، وجاءت السينما لتلقط هذه السرديات العامرة بالغرائب والأعاجيب وتصنع منها أفلاما شاهدها المليارات في كل أرجاء العالم.
وشكلت القرصنة هنا فصلا عريضا من فصول رهبة البحر لدي البشر، والتي تم التعبير عنها شعرا ونثرا وسينمائيا، لتتراكم لدي الإنسانية علامات عديدة علي خشية البحر، والخوف من المجهول الذي لا يمكن التنبؤ بما يخبئه، واستحالة السيطرة علي قواه المدمرة، جنبا إلي جنب مع علامات علي إثارة البحر لروح التحدي والمغامرة والإبداع والخيال، وكعنصر لا غني عنه في الحياة، حيث تُنقل السلع جميعها، وتمتد الجسور بين الثقافات، عبر سفن تحمل الأفكار إلي جانب البضائع والناس.
وقد امتد المصطلح إلي عالم الحاسوب فصار يعرف بأنه عملية نسخ البرامج الإلكترونية وبيعها، واستخدام الشبكات في التجسس والحصول علي المعلومات، ويشمل أيضا مهاجمة موقع إلكتروني وتدميره إن أمكن.
وحسب ما أورده الباحث الروسي ياتسيك ماخوفسكي في كتابه المهم »تاريخ القرصنة في العالم« فإن هذا التاريخ يعود إلي أكثر من ثلاثة آلاف سنة، لكن كلمة قرصان لم يتفوه بها أحد قبل عام 140 قبل الميلاد حين سطرها المؤرخ الروماني بوليبيوس. وعاد نظيره اليوناني بلوتارك ليرددها في نهاية القرن الأول قبل الميلاد، الذي ازدهرت فيه أعمال القرصنة، والتي كان أول ظهور لها في البحر المتوسط، حين استخدم أعداء الإمبراطورية الرومانية لصوص البحر لضرب مصالحها.
وقد أصبح القراصنة أيامها قوة ضاربة، حيث وصلت أعدادهم إلي الآلاف وكانت لديهم أكثر من ألف سفينة، وبحوزتهم الأسلحة والقلاع، فتمكنوا من مهاجمة السفن والموانئ، وخطف حكام وقضاة رومان، وطلبوا فديات كبيرة من المدن الساحلية والموانئ حتي يمكنها أن تعيش في سلام. ووصلت جرأة هؤلاء القراصنة إلي مهاجمة الأسطول الروماني الراسي في ميناء أوسيتيا فحطموه، ووضعوا روما علي أبواب مجاعة نتيجة انقطاع طريقها التجاري. وفشلت عدة حملات جردها الرومان في القضاء علي القراصنة، حتي جاء القائد بومباي عام 67 قبل الميلاد ليقود جيشا جرارا مكونا من مائة وعشرين ألف جندي مشاة، وخمسة آلاف فارس وخمسمائة سفينة، ويتمكن من هزيمة القراصنة وأسر عشرين ألفا منهم وتدمير نحو ألف وثلاثمائة سفينة لهم.
وولدت حركة القرصنة قوية من جديد علي قبائل الفايكنج، الذين يقطنون الدول الإسكندنافية. وفي القرن التاسع الميلادي أخذ بحارة الفايكنج في الاتجاه شمالا وغربا وجنوبا، فوصلوا إلي أيسلندا وجرينلاند وكندا، ثم بلغوا شواطئ إنجلترا عام 787 م، واستولوا عليها وحكموها. وفي التاسع عشر هاجم القراصنة الفايكنج باريس، فاضطر ملوك فرنسا إلي دفع مبالغ طائلة لهم حتي يتقوا شرهم، وتمكن بعضهم من الاستيلاء علي منطقة نورماندي شمال فرنسا، واستوطنوها واختلطوا بسكانها، وصاروا مع الأيام منهم، وأسسوا أقوي الممالك في أوروبا خلال القرن الثاني عشر الميلادي في صقلية وانجلترا.
ومارس البحارة الإنجليز أنفسهم أعمال القرصنة ضد السفن الإسبانية التي تمخر عباب القنال الإنجليزي عائدة من المستعمرات الإسبانية محملة بكل ما هو مفيد ونفيس. وامتدت هجماتهم إلي حدود إسبانيا القريبة وسواحل مستعمراتها في أمريكا اللاتينية. وفي القرن السابع عشر أسس قراصنة جزر الهند الغربية منظمة أطلقوا عليها »إخوان الشاطئ« أو »البوكانير« وتخصصوا في نهب السفن الإسبانية.
وخلال القرنين السابع عشر والثامن عشر بلغت القرصنة ذروتها، مع نمو القوة المركزية القوية في اليابان في ظل التكوجاوا شوجونيت (1603 - 1867)، لكن أسرة شمي يانج التي حكمت الصين تمكنت من القضاء علي معظم القراصنة.