العدوان الإسرائيلي علي‮ ‬غزة‮.. ‬المقدمات والنتائج‮ »‬2-1‮«‬

اسماعيل حافظ :  إسرائيل خططت للعدوان  - تدهور الوضع الفلسطيني منذ يناير 2006 بعد فوز حركة »حماس« علي حركة »فتح« في الانتخابات التشريعية، وتشكيل حكومة برئاس

اسماعيل حافظ :

إسرائيل خططت للعدوان
- تدهور الوضع الفلسطيني منذ يناير 2006 بعد فوز حركة »حماس« علي حركة »فتح« في الانتخابات التشريعية، وتشكيل حكومة برئاسة إسماعيل هنية لم تشارك فيها فتح، وبعدها نشأ صراع سياسي شرس بين السلطة الوطنية الفلسطينية برئاسة الرئيس أبو مازن وحكومة حماس التي انقلبت علي السلطة الشرعية بانقلاب استولت فيه بالقوة علي قطاع غزة في يونيو 2007، وبالتالي تعمق الانقسام الفلسطيني والخلاف علي الرؤي والمسار الفلسطيني لحل القضية بين فريق السلطة التي تبنت الخيار السلمي عن طريق المفاوضات وإقامة الدولة الفلسطينية في حدود عام 1967، وبين حركة حماس في غزة التي رأت استمرار المقاومة والكفاح المسلح لتحرير الأراضي الفلسطينية وعدم الاعتراف بإسرائيل.


- وعجزت الدول العربية سواء في وقف الانقسام والصراع الفلسطيني، أو في دفع جهود التسوية السلمية مع إسرائيل التي عرقلت كل جهود الحل، ومضت في توسيع استيطانها لأراضي الضفة الغربية وتهويدها للقدس، وتمادت في اعتداءاتها علي الشعب الفلسطيني خاصة في غزة بعد استيلاء »حماس« عليها وازداد حصارها عليها عسكريا واقتصاديا بقصد خنقها وتجويعها واستسلامها لاسيما بعد النصف الثاني من عام 2007، واستمرت العمليات العسكرية ضد سكان غزة وقادة ونشطاء حماس والجهاد والفصائل الفلسطينية الاخري التي تمارس المقاومة واطلاق صواريخ في داخل اسرائيل.

- وحقيقة الأمر فيما كان يجري من اعتداءات وحصار ثم جري بعد ذلك من عدوان في 27 ديسمبر الماضي، هو أن الموقف الاسرائيلي من حركة حماس يقوم علي اعتبار أن حماس امتداد للتهديد الايراني الذي يمولها بالاموال والسلاح، وأنها حركة ارهابية معادية لاسرائيل ولذلك فلا مناص لإسرائيل من القضاء عليها واجتثاث سلطتها في غزة. وقد اعتبر أولمرت في تصريحات له في ابريل 2008 أن غزة »كيان معاد« وأن العمليات العسكرية الاسرائيلية بمثابة »حرب حقيقية« ضد حماس.

- وجاءت أكبر مناورات في تاريخ الجيش الاسرائيلي »10-6 أبريل 2008« بعد اخفاقات. هذا الجيش في الحرب ضد »حزب الله« ولبنان في صيف 2006، ثم اعقبتها مناورات واستعدادات أخري في هضبة الجولان السورية المحتلة في أوائل مايو 2008 »حوالي 8 أشهر قبل العدوان الاخير علي غزة« كان الهدف منها تحقيق أمرين: الأول اظهار اسرائيل بأنها القوة العسكرية الاقليمية التي لا تقهر والمستعدة للحرب ضد اعدائها والانتصار عليهم، والثاني هو تأكيد الهيبة واستعادة ثقة الجيش والمجتمع الاسرائيلي في »قوة الردع« ومواجهة الاعداء ومن ثم تخويفهم وردهم عن القيام بمغامرة عسكرية خاسرة ضدها.

وفي ذلك الوقت توترت الاجواء في المنطقة وتكهن بعض المراقبين بأن المنطقة ستشهد صيفاً ساخناً بقيام اسرائيل بعدوان علي احدي الجبهات في إيران أو سوريا أو ضد »حزب الله« مرة ثانية أخذاً بالثأر من فشلها السابق أو ضد غزة.

ومن اللافت أنه أثناء تلك المناورات في هضبة الجولان صرح باراك وزير الدفاع الاسرائيلي: »إن الوقت ليس للتهدئة ولكن للمواجهة مع حماس«، وبعدها صرح أولمرت بأن »إسرائيل علي وشك اتخاذ قرار حاسم ضد حماس لوقف الصواريخ«.

- ورأت مصر في المناورات والتهديدات الاسرائيلية نذيراً بالخطر، وبذلت جهودا مكثفة مع الجانبين الاسرائيلي والفلسطيني للوصول الي »تهدئة« أمكن اعلانها بالفعل وبدأت في 19 يونيو 2008 لمدة 6 أشهر، تقوم علي أساس وقف اطلاق النار بين الطرفين وفك الحصار عن غزة وفتح المعابر، فيما عدا معبر رفح الذي تحكمة اتفاقية عام 2005 »بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل والاتحاد الأوروبي«.

- مع ذلك حدثت خروقات للتهدئة من الجانبين فالجانب الاسرائيلي تعمد فتح المعابر جزئيا أو اغلاقها كليا، ومنع المواد الغذائية والطبية والطاقة وضروريات الحياة عن أهالي غزة مع عمليات عسكرية انتقائية محدودة ضد نشطاء المقاومة، ومن الجانب الفلسطيني اطلقت عدة صواريخ غير مؤثرة في الداخل الاسرائيلي.

- واستمر قادة اسرائيل في اطلاق تهديداتهم ملوحين بأن عملياتهم العسكرية »ستجعل حماس تدفع الثمن«.

وبدأ العدوان العسكري الوحشي علي غزة صباح 27 ديسمبر الماضي بعد 8 أيام من رفض حماس تجديد التهدئة بعد أن انتهت في 18 ديسمبر واستئنافها اطلاق صواريخ علي جنوب إسرائيل.

واستهدف العدوان القضاء علي الصواريخ التي تنطلق من غزة، واحداث اكبر خسائر ممكنة في البني التحتية العسكرية والمدنية لحركة حماس، وقتل واصابة المدنيين وترويعهم، ومحاولة انهاء سلطة حماس في غزة، وتعميق الانقسام الفلسطيني، وفصل غزة عن الضفة الغربية، ومن ثم ضرب القضية الفلسطينية في مقتل.

وقسمت اسرائيل عملياتها العسكرية المسماة بـ»الرصاص المنصهر« الي ثلاث مراحل، بدأت المرحلة الاولي بهجوم مكثف بطائرات »اف-16« ومروحيات الاباتشي علي مواقع الصواريخ واهداف عسكرية ومدنية، في عمليات اشبه بالعمليات العسكرية الامريكية ضد العراق في مارس 2003 تحت مسمي »الصدمة والرعب« بالضرب بالقنابل من الجو بما فيها القنابل الفوسفورية وغيرها المحظورة دوليا والتي تستهدف حرق البشر والحجر وتحدث اقصي درجات الترويع للسكان الفلسطينيين بغية القضاء علي المقاومة وروح المقاومة ودفع الفلسطينيين للانقلاب علي حكم حماس واستسلامهم ورفع الراية البيضاء.

وبعد اسبوع من العمليات الجوية تابعت اسرائيل خطتها في المرحلة الثانية بهجوم »بري« في 3 يناير الماضي، شاركت فيه المدرعات والمدفعية وقوات المشاة الي جانب قوات بحرية بقصف مكثف والهجوم علي 5 محاور بقصد فرض حصار عسكري كامل علي غزة وفصل اجزائها بعضها عن البعض الآخر، واندفعت بالضرب شمالا ووسطا خاصة في الجنوب لتدمير انفاق تهريب الاسلحة علي الحدود بين مصر وغزة واستمر ذلك حوالي اسبوعين دون توقف ليلا ونهارا.

ولكن اسرائيل تراجعت عن تنفيذ المرحلة الثالثة من الخطة العسكرية التي كانت تستهدف الالتحام المباشر مع المقاومين واغتيال او القبض علي قادة حماس داخل المدن والشوارع والبيوت، وذلك خشية وقوع خسائر في جنودها، مما ينعكس سلبا علي حزبي »كاديما« و»حزب العمل« في الانتخابات المقبلة »10 فبراير«، والتي كانت احد الاسباب الرئيسية في توقيت الهجوم بغية اظهار التشدد في الدفاع عن امن اسرائيل في مواجهة احزاب اليمين الاسرائيلي المتشدد، اضافة الي تجنب احراج الرئيس الامريكي الجديد باراك اوباما وقد قارب تنصيبه للرئاسة »20 يناير«، هذا الي جانب تنامي الضغط العربي والدولي والرأي العام العالمي من اجل وقف اطلاق النار.

واعلن اولمرت وقف اسرائيل اطلاق النار من جانب واحد مساء 1/17 يبدأ سريانه فجر اليوم التالي 1/18، وقال إن الحكومة الاسرائيلية قررت أن توقف الاعمال العسكرية بناء علي المبادرة التي قدمتها مصر والرئيس حسني مبارك.

> الموقف الفلسطيني

في الوقت الذي اعتبرت فيه اسرائيل عدوانها علي غزة علي انه »دفاع عن النفس« ضد اطلاق صواريخ حماس، فان حماس بررت موقفها علي اساس ان اسرائيل هي التي خرقت التهدئة التي تم الاتفاق عليها بوساطة مصرية، حيث قامت اسرائيل في 4 نوفمبر 2008 باغتيال 6 من رجال المقاومة وان حوالي 100 من نشطائها قد اغتيلوا اثناء فترة التهدئة وان اسرائيل لم تحترم التزامها بفتح المعابر مما ادي الي كارثة انسانية معيشية وصحية لسكان غزة، مما دفعها الي استئناف اطلاق الصواريخ وعدم تجديد التهدئة، واتهمت اسرائيل بانها هي التي انهت التهدئة فعليا استعدادا لعدوانها الشامل في 12/27.

وبعد ان بدأت اسرائيل عملياتها اصرت حماس علي استمرار اطلاق صواريخها ومنها ما وصل الي مدي 50 كيلو مترا داخل اسرائيل، وتصدي مقاتلوها للعدوان الوحشي تساندها باقي الفصائل الفلسطينية، وشارك كذلك ما بقي موجودا من الجناح العسكري لفتح في غزة.

اما السلطة الفلسطينية برئاسة الرئيس ابو مازن فقد وجهت اتهاما لحماس بانها استفزت اسرائيل، وقدمت لها المبرر للعدوان باطلاق الصواريخ العبثية داخل اسرائيل كما اشار قياديون من فتح الي التناقض في موقف حماس الذي ادان اطلاق الصواريخ واتهام من يطلقها بانه »عميل لاسرائيل« اشارة الي تصريح القيادي في حماس محمود الزهار قبل اسبوعين من انهاء التهدئة، لكن الرؤية القاصرة لحماس قلبت الامور 180 درجة فانهت التهدئة رغم علم الجميع بان هناك مخططا اسرائيليا لشن عدوان علي غزة.

وذكرت قيادات في السلطة الفلسطينية وفي فتح ان الغباء السياسي والغرور ضلل حماس واعتقدت ان اسرائيل مقبلة علي انتخابات وبالتالي لن تشن هجوما علي غزة.

كذلك اتهمت تلك القيادات حماس بانها حاولت جر الدول العربية الي ازمة غزة وانها هاجمت مصر معتبرة ان قضية فتح معبر رفح اهم من قضية القدس والقضية الفلسطينية وان حماس ترتكب الاخطاء باستمرار وتحمل الدول العربية والسلطة الفلسطينية تبعات مواقفها وحساباتها الخاطئة.

واعلن الرئيس الفلسطيني ابو مازن موقف السلطة الداعي الي وقف اطلاق النار فورا وادانة العدوان الاسرائيلي والعودة الي التهدئة من جديد وايد التحرك العربي بسرعة نحو عقد مجلس الامن لوقف النار فورا.

موقف مصر

قامت مصر بدور أساسي قبل العدوان وبعده، فقد رعت اتفاق التهدئة بين إسرائيل وحماس الذي بدأ في 19 يونيو 2008 لمدة 6 أشهر انتهت في 18 ديسمبر الماضي.

وطلبت مصر من وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني زيارتها لإجراء مفاوضات في 25 ديسمبر الماضي بالنظر لما استشعرته من خطر عدوان اسرائيلي واسع بعد رفض حماس والفصائل المتحالفة معها مثل الجهاد والجبهة الشعبية ــ القيادة العامة تجديد التهدئة واطلاق صورايخ داخل اسرائيل.

وفي المؤتمر الصحفي المشترك الذي جمع وزيري الخارجية المصرية احمد أبو الغيط وليفني، طلب الأول من اسرائيل وحماس »ضبط النفس« وتجديد التهدئة، ولكن ليفني لم تتحدث في المؤتمر عن قبول أو استعداد اسرائيل لضبط النفس، ووجهت الاتهامات لحماس وقالت »حماس خرقت التهدئة، وحماس قررت ان تهاجم اسرائيل، وهذا شيء لا يمكن ان تقبله أي دولة ديموقراطية، ولا يمكن ان نتحمله بعد الآن«.

وهكذا وضح تصميم اسرائيل علي تغيير الوضع الراهن في غزة، وقامت بعد يومين من زيارتها للقاهرة بالعدوان »المبيت« في 12/27.

وقد تعرض موقف مصر لحملة من الانتقاد من جانب حماس وحلفائها ومن جانب صحافة واعلام وفضائيات دول وقوي عربية في »جبهة الممانعة«، وسيروا المظاهرات والاحتجاجات ضد موقف مصر خاصة في طهران ودمشق وعدن وبيروت، وشارك في هذا الهجوم »حزب الله« في لبنان، وبتركيز شديد علي المطالبة بفتح مصر معبر رفح.

وأوضح الرئيس حسني مبارك موقف مصر من العدوان، كاشفاً ظروفه وملابساته، ورد علي دعاوي المهاجمين في عدة خطب متتالية، وحدد أسس الموقف المصري بما يمكن اجماله فيما يلي:

في 12/30 قال الرئيس مبارك لقادة اسرائيل اوقفوا عدوانكم علي هذا الشعب، ان الاحتلال مصيره الي زوال، والقضية الفلسطينية أبداً لن تموت، وذكر أن مصر ترفض المخططات الاسرائيلية لفصل الضفة الغربية عن قطاع غزة والتنصل من مسئولياتها عن غزة.

وتحميل مصر تبعاتها، مؤكداً ان مصر لن تقع في الفخ الاسرائيلي ولن تشارك في تكريس هذا الفصل بين الضفة والقطاع، فهما بالنسبة لمصر أراض محتلة تقوم عليها الدولة الفلسطينية المستقلة.

وذكر ان مصر تترفع عن الصغائر ولكنها لن تسمح لأحد بتحقيق مكاسب سياسية وبسط نفوذه بالمزايدة عليها والمتاجرة بدماء الفلسطينيين، ودعا الفلسطينيين الي نبذ الخلافات وتوحيد الصفوف، مذكراً بتحذير مصر من ان رفض التهدئة سيدفع اسرائيل الي العدوان علي غزة.

وأكد أن التعليمات صدرت بفتح معبر رفح امام الجرحي وضحايا العدوان واستقبالهم بمستشفيات مصر ودفع المزيد من مساعدات الاغاثة الي غزة، وأوضح ان موقف مصر يستهدف وقف العدوان الاسرائيلي بما يتيح العودة الي التهدئة واعادة فتح المعابر.

وفي حديث للتليفزيون المصري اذيع في 1 يناير الماضي كرر مبارك مطالبة اسرائيل بوقف العدوان داعياً الفلسطينيين الي الالتزام بالتهدئة، مؤكداً ان مصر لا تتأخر عن العمل من اجل القضية الفلسطينية، وحملت لواءها منذ عام 1948، وقال إن معبر رفح مفتوح للحالات الانسانية، وأوضح ان مصر تحملت الكثير وفقدت نحو 120 ألف شهيد وخاضت ثلاث حروب من اجل القضية الفلسطينية، وانفقت المليارات من أجل فلسطين.

وفي خطاب وجهه للأمة في 17 يناير الماضي حدد المبادئ التي تحكم موقف مصر، وطالب اسرائيل مجدداً بوقف العدوان فوراً والانسحاب الكامل من غزة، مؤكداً ان العدوان لن يوقف المقاومة ولن يحقق الأمن لإسرائيل، بل ان العدوان يزيد من صمود شعب فلسطين ويعمق الغضب تجاه اسرائيل ويقطع الطريق الي السلام.

وقال إن مصر لن تقبل أبداً أي وجود أجنبي علي ارضها وأن ذلك خط أحمر لن تسمح بتجاوزه، وأوضح أن المبادرة المصرية هي الوحيدة في غياب أي مبادرة أخري لوقف نزيف الدم.

وكان الرئيس مبارك قد أعلن مساء 6 يناير الماضي من شرم الشيخ بحضور وتأييد الرئيس الفرنسي ساركوزي »مبادرة مصرية« لاحتواء العدوان الاسرائيلي، تضمنت الدعوة الي وقف اطلاق النار فوراً لفترة محددة تتيح فتح ممرات آمنة لمساعدات الإغاثة لأهالي غزة، والتحرك لوقف نهائي لاطلاق النار وفتح المعابر ورفع الحصار، وضمانات لعدم تكرار التصعيد، وتحقيق الوفاق الفلسطيني.

ولاقت هذه المبادرة المصرية تأييداً عربياً ودوليا، واعتبرت الآلية التنفيذية لقرار مجلس الأمن 1860 الذي صدر بعد ذلك فجر 1/9.