عتبات الفقر المائي

شريف عطية : انتهت قبل ساعات اجتماعات مؤتمر المياه العالمي الخامس في اسطنبول، بمشاركة عشرين ألفاً ما بين سياسي وخبير في شئون المياه.. وثلاثة آلاف مؤسسة تمثل 140 دولة، لبحث...

شريف عطية :

انتهت قبل ساعات اجتماعات مؤتمر المياه العالمي الخامس في اسطنبول، بمشاركة عشرين ألفاً ما بين سياسي وخبير في شئون المياه.. وثلاثة آلاف مؤسسة تمثل 140 دولة، لبحث مشكلة مثلثة.. سياسية وتقنية ومالية.. تتعلق بما يعانيه القطاع المائي من أزمة مزمنة.. يفاقمها - بحسب اليونسكو - عقم السياسات الحكومية والإدارة الفاسدة وسوء الاستثمارات، مطالبا بتوزيع عادل للثروة المائية، ومحذرا من وقوع كارثة إنسانية واقتصادية، لاسيما في الدول النامية أو الفقيرة التي تعاني من »التصحر«، وإذ يعوز نحو %40 من البشر.. المياه الصالحة للاستخدام الإنساني، مما يعتبر مؤشراً خطيراً وتحدياً كبيراً للمستقبل، وحيث يشدد البيان الصادر عن المؤتمر - من جانب آخر - علي ترابط الأمن المائي مع الأمن في ميادين الغذاء والصحة والاقتصاد والاجتماع والسياسة، مؤكداً أن »الماء حق للجميع«.

في هذا السياق، شهدت اجتماعات وزراء المياه العرب علي هامش المؤتمر خلافات لا ترتقي البتة إلي مستوي الحدث.. بالنسبة لبيانهم أمام هذا المنتدي العالمي، برغم أن مصادر المياه الرئيسية في العالم العربي.. تأتي إليه من خارجه.. من دول أعالي الأنهار في تركيا »الفرات«، وفي اثيوبيا وجوارها »النيل«، الأمر الذي لا يغيب عن إسرائيل التطلع إلي المشاركة في مياهما، بحسب أدبياتها الخاصة »من النيل إلي الفرات«، فإذا لم تستطع أن تمتد بحدودها إليهما.. فلا أقل من أن تأتي اليها مياههما.

أما بقوة الاحتلال أحيانا، أو عبر دبلوماسيتها التي لا تعرف المستحيل، أو بالتدخل لاثارة الاضطرابات للنفاذ من خلالها إلي أهدافها المائية، أو بالسطو علي موارد المياه الجوفية أو النهرية.. واستغلالها كما يحدث في فلسطين ولبنان وسوريا.

إلي ذلك، تعتبر دول حوض النيل من أكثر مناطق التوتر - بحسب الايكونومست - التي تخضع لصراعات الاستيلاء علي المياه، إذ تتعرض بكثافة إلي إنشاء السدود، الأمر الذي ينذر بالخلاف بين اثيوبيا والسودان ومصر، حيث تحصل الأخيرتان علي %75 من مياه النيل.. في حين تتقاسم الربع المتبقي.. عشر دول حول حوض النهر، لتدخل إسرائيل علي الخط عبر مساعدة اثيوبيا في بناء السدود، وفي التدخل في حروب جنوب السودان خلال العقدين الماضيين، دون استثناء محاولاتها مع مصر »دولة المصب« بشكل أو آخر.. لكي تصل مياه النهر - عبرها - إلي إسرائيل.

إلي نفس الغرار، تتطلع إسرائيل بتحالفاتها الاستراتيجية مع تركيا »دولة أعلي نهر الفرات« لكي تصلها مياهه.. مثلها في ذلك كسوريا والعراق.. منذ أن طُرحت فكرة »ترعة السلام« 1953، لكي تصل بمياه الفرات إلي إسرائيل عبر دول عربية.. رفضت الفكرة وقتئذ من أساسها.. قبل أن يعاد التفكير في الأمر بطرق أخري عبر بناء عشرين سدا في تركيا أدت في 1998 إلي نشوب نزاع مسلح مع سوريا.. قبل أن يسوي الأمر نسبياً عقب اجتماع ثلاثي في 2007 بين تركيا وسوريا والعراق، ومع ذلك.. فإن تجاوب إسرائيل مع الوساطة التركية.. للتفاوض مع سوريا، لم يمنع تل أبيب من الموافقة علي بناء أكبر مشاريع السيطرة علي المياه السورية »مجمع القنيطرة«، ليضاعف - بحسب المصادر الصحفية - كمية المياه السورية المسروقة لخدمة المستوطنات الإسرائيلية »4 ملايين متر مكعب من المياه سنوياً«.

وهكذا، وفي ظل سنوات قلائل، من المتوقع أن تتحول الوفرة المائية في كبري البلاد العربية - لأسباب مختلفة - إلي كابوس فعلي.. تفاقمة اللامبالاه التي تتعامل بها هذه الدول مع خطر لا تعتبره داهماً.