مصادفات مدروسة

هل هى مجرد مصادفة أنه فى اللحظة التى نحصل فيها على موافقة صندوق النقد على منحنا مليارات من القروض ومن الصين ومن الإمارات كذلك، نجد جيوشاً من المستثمرين الأجانب تهرع...

هل هى مجرد مصادفة أنه فى اللحظة التى نحصل فيها على موافقة صندوق النقد على منحنا مليارات من القروض ومن الصين ومن الإمارات كذلك، نجد جيوشاً من المستثمرين الأجانب تهرع إلى بلادنا لتقدم خدماتها؟

ليس هناك مصادفات. فإن المستثمر الاجنبى والشركات العملاقة والدولية تنتظر حصول دولة من العالم الثالث على قروض لتأتى وتقيم مشروعاتها فتحصل على تلك الأموال التى تصورنا أنها ملك لنا، ولكن الغرب لن يمنح ماله ليبقى فى مصر، ولكن لكى يحصل عليه مستثمروه باليد الأخرى.

تلك الفكرة ترددت فى كتب عديدة، مثل كتاب “نظرية الصدمة” للكاتبة نعومى كلاين وكتاب «اعترافات قاتل اقتصادى مأجور» للكاتب جون بيركينز، حيث تأكدت الفكرة نفسها حينما يهرع المستثمرون الاجانب والشركات العملاقة إلى المناطق التى تشهد اضطرابات طبيعية أو ثورات أو موجة من الاحتجاجات؛ فى تلك المناطق يحدث فراغ وتدعو الدولة المنكوبة إلى مساعدتها على الخروج من محنتها، مثلما حدث فى جنوب شرق آسيا بعد التسونامى، أو فى العديد من دول امريكا اللاتينية بعد الثورات وفى العراق بعد الحرب ضد نظام صدام حسين؛ حيث المنطقة تصبح خصبة للمشروعات الجديدة؛ وهنا يتدخل البنك وصندوق النقد الدوليان، ويغرقان المنطقة بالقروض.

ولكن تلك الأموال التى تأتى من العالم الغربى يجب ألا تخرج منه، فتبدأ شركاته الكبرى ومستثمروه الدخول بفكرة المساعدة والاستثمار؛ ولكن فى حقيقة الامر هى تتدخل من اجل مصلحتها وحتى تعود إلى الغرب أمواله؛ ففى العراق كان من المنطقى ان تبدأ شركتا شيل وبى بى للبترول بالاستيلاء على مصادر الثروات النفطية العراقية، وبعد 11 سبتمبر وإعلان الحرب على الارهاب تولت شركتا هاليبرتون وبلاكووتر، للمرتزقة، إرسال قوات إلى الدول التى تحاربها امريكا ويقال ان فيها الارهابيين؛ وفى جنوب شرق آسيا تحولت المناطق التى كانت ملكا للصيادين الفقراء إلى منتجعات سياحية غالية الثمن، وفى نيو أورليانز التى شهدت قبل سنوات اعصاراً مدمراً، اكتشف سكان المنطقة السود الفقراء ان مستشفياتهم ومدارسهم واسكانهم الشعبى منخفض الثمن لم يعاد بناؤه، وشيدت مكانه مناطق ترفيه غالية.

وفى مصر كل تلك القروض التى نحصل عليها من الصندوق والصين والامارات العربية والاتحاد الأوروبى لن تستفيد منها مصر، أو المجالات الحيوية التى تعانى بالفعل من الانهيار، ولكن ستتحول إلى المستثمرين والشركات الكبرى فى مشروعات لن يستفيد منها الا الاغنياء والتى تعود على الشركات بالارباح الهائلة.

ألم يحن الوقت لأن نتفكر فى وضعنا وكيف ننهض بأنفسنا، وأن ندرك أن ذلك لن يحدث إلا من داخلنا، وليس بالبحث عن المزيد من الديون من الخارج؟