ليس دفاعاً عن «الرئيس»

شريف عطية من الذكاء والحنكة السياسية، أن يقرّ المرء لخصمه بإنجازاته، وأن يبنى عليها، ذلك بمناسبة.. الجدل المثار حول ما يوصف بازدواجية الخطاب السياسى للرئيس المصرى. بالنسبة لآرائه بشأن الحقبة

شريف عطية

من الذكاء والحنكة السياسية، أن يقرّ المرء لخصمه بإنجازاته، وأن يبنى عليها، ذلك بمناسبة.. الجدل المثار حول ما يوصف بازدواجية الخطاب السياسى للرئيس المصرى. بالنسبة لآرائه بشأن الحقبة «الناصرية»، إذ فيما أوحى بنقده الرمزى لعقد الستينيات خلال خطابه فى ميدان التحرير يوليو الماضى، لم تفته الإشادة بدور مصر «عبدالناصر» فى تأسيس «حركة عدم الانحياز».. عبر كلمته أمام قمتها فى طهران صيف العام الماضى، كذا بالإفصاح عن عزمه استكمال ما بدأه «عبدالناصر» لبناء صناعة مصرية، ذلك عند زيارته أول أمس لمصنع الحديد والصلب.. وما إلى ذلك من إعلانه إيقاف سياسات الخصخصة، إلى الانتصار للطبقات الكادحة، وهو أمر لا يحسب ضده بل له، من الناحية السياسية والوطنية، بصرف النظر عما تحمله الصدور من مشاعر سلبية أو غير ذلك، من خلافات بشأن مسائل أخرى.

إلا أن البعض من الناقدين للسياسة الحزبية للرئيس، عن حق أو بالمغالاة، يرون فى كلماته أثناء احتفالات عيد العمال.. وما قبلها فى طهران، أو بدول أفريقية عبر مبعوثيه إليها، ما يكشف عن مدى انتهازية «الإخوان»، بين الهجوم على «عبدالناصر» والتمسح به فى آن، مقتنصين له عبارته «الايحائية» المضغمة «ما أدراك ما الستينيات»، التى يرونها حقبة حافلة بالإنجازات، بأقله بالنسبة للخطة الخمسية الثانية.. ونجاحها فى تحقيق أهدافها، رغم أنها، لأسبابها (..)، لم تكن كذلك، بالمقارنة بالخطة الخمسية الأولى 1962-57 الناجحة آنئذ، لأسبابها (..)، وحيث غاب عن الناقدين للرئيس الجديد.. «مقصده» حين أشار إلى «الستينيات»، لما حوته من البطش بجماعة الإخوان 1965، إلى ما سميت لجان «تصفية الإقطاع»، ناهينا عن قرارات «التأميم» التى أجهضت دور البرجوازية المصرية فى النهضة «الناصرية».. فيما لم تستطع بدائلها المستحدثة.. التعويض عنها، ومع ذلك فإن معارضة السياسات الستينية لا تنفى بالضرورة الإقرار بما حوته، وما قبلها، من إيجابيات فى مجالات أخرى، لا يملك الرئيس الجديد إلا الإقرار بسلامتها.

ولما كان البعض يعتسف إدانة الرئيس المستترة لحقبة الستينيات، ليسقط «العبارة» على العهد الناصرى كله، ليدلل بذلك على «ازدواجيته».. حين يحاول الرجل استثمار رصيد «عبدالناصر»، الذى للمفارقة.. خرج «خليفتاه» عن إيجابيات نهجه بطريقة أو بأخرى، سواء على الصعيد الداخلى أو الخارجى، دون أن يمسسهما النقد، باستثناء الفساد المالى والإدارى لعهديهما، الأمر الذى يلحق بالرئيس الجديد حين يحاول استئناف سياسات إيجابية للسلف الأسبق، ما ينبغى أن يُشكر عليها، من غير خلطها بسياسات أخرى خاطئة للرئيس وجماعته، لا مجال لها عند مناقشة هذه «الإشكالية» التى نحن بصدد مناقشتها الآن.

إلى ذلك، قد يكون من الأهمية بمكان تذكُّر إيجابيات السياسة الناصرية، كونها لم تكن فحسب وليدة تفكير عهده، بل نتاج لمجمل جهود الحركة الوطنية المصرية قبل 1952 وما بعدها، سواء بالنأى عن سياسة الأحلاف أو بسن القوانين العمالية.. إلخ، وعلى هذا القياس، فإن «عبدالناصر» لم يخترعها من عدم، بل بنى عليها، ومن ثم فهى ليست حكراً على شخص أو عهد بعينه دون غيره من اجتهادات عهود سابقة أو لاحقة، بسيان، إذ من حقها أن تمضى قدماً فيما تراه صوابا، قبل المبادرة بالحكم عليها بالفشل أو النجاح، ذلك من دون الإفراط فى نقد الحكام ولا تمجيدهم، إذ يعود سبب خيباتنا فى العقود الماضية.. إلى الدوران فى فلك «عبادة الفرد» كنصف إله، مكيلين له «المديح الذى يقتل».. صاحبه، ومستقبل الوطن، وحيثُ من الملاحظ فى العامين الأخيرين، أن كلاً من الفرقاء السياسيين يمجد زعيمه فيما لا يرى فى غيره سوى سوءاته، وهى مقدمات لصناعة ديكتاتور جديد.. يضاف إلى قائمة سابقيه الطويلة.