الفائض في ميزان المدفوعات ليس دائماً‮ ‬إيجابياً

يحيى المصرى المعروف أن الفائض في ميزان المدفوعات هو انجاز ايجابي، وقد رصده تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات الذي عرض علي مجلس الشعب الشهر الماضي، رصده في جانب الانجازات الايجابية ضمن...

يحيى المصرى

المعروف أن الفائض في ميزان المدفوعات هو انجاز ايجابي، وقد رصده تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات الذي عرض علي مجلس الشعب الشهر الماضي، رصده في جانب الانجازات الايجابية ضمن 21 انجازاً حققتها الحكومة في العام الماضي، لأن الفائض في الميزان يعني نجاحاً للسياسات النقدية التي يضعها البنك المركزي، ويعني أيضاً زيادة في الاحتياطات النقدية للدولة وزيادة في الدخل القومي.

وكل هذه النواحي هي أمور مستحبة تسعي الحكومة الي تحقيقها في مسيرتها العملية، وتعلنها كإنجازات نتيجة نجاح سياساتها الاقتصادية وتخطيطاتها التنموية التي تعمل علي ضبط ايقاع الحياة للمواطنين وتحسين مستواهم المعيشي، ومعالجة مشاكل الفقراء والقضاء علي البطالة.

غير أن التحليل الدقيق لبنود ميزان المدفوعات قد يوضح العكس، حيث يصعب اعتبار الفائض الكلي في ميزان المدفوعات ايجابياً إلا إذا دخلنا في باطنه وكشفنا عن محتوياته ورأينا كيف تحقق كل بند من بنوده المختلفة، وذلك لكي لا نهلل له فيحدث نوع من التباطؤ في الانشطة التي تتكون منها هذه البنود، وهو ما يؤدي أيضا الي التراخي في الأجهزة التي تشرف عليها، حيث يمكن أن يقال فيها إن كل شيء علي ما يرام وليس في الامكان أحسن مما كان فتتوقف مسيرة السعي لتحسين المعاملات مع الخارج والعمل علي تحقيق الفائض، خاصة أن ميزان المدفوعات هو البيان الوحيد الذي يعكس الصورة الاقتصادية مع الدول الأجنبية ويحدد حقيقة المراكز الفعلية للانتاج المحلي والانتاج القومي والتبادل السلعي والمالي والخدمي مع العالم الخارجي.

إن التحليل السليم لظاهرة الفائض في ميزان المدفوعات عن العام الماضي، وإن كان يؤكد ايجابية واضحة في نتيجته النهائية، فإنه يؤكد أيضا العكس في بعض اقسامه مع وجود هذا الفائض، فلا يكون هناك مبرر للمدح وانما يتطلب الأمر أن تكون هناك دعوة للجميع لزيادة النشاط وتغيير السياسات وبذل جهود اضافية تبني علي أسس سليمة، وعلي سبيل المثال فإن فائض ميزان المدفوعات حقق فائضاً قدره 5.4 مليار دولار أمريكي في العام الأخير »2008/2007«، وكان محل مدح سواء من المختصين في الداخل أو من مراكز البحوث والهيئات الدولية في الخارج، خاصة إذا تمت المقارنة بعام 2004/2003 عندما أسفر الميزان عن عجز قدره 158.3 مليون دولار أمريكي.

غير أنه بالدراسة المتأنية نجد أن ميزان المدفوعات في العام المذكور 2008/2007 عام الفائض الكبير تضمن عجزاً في القسم الخاص بالميزان التجاري قدره 23.4 مليار دولار أمريكي وهو ما يزيد علي العجز في العام السابق، الذي كان 16.2 مليار دولار أمريكي فقط، علماً بأن الميزان التجاري يمثل أكبر جزء في بالميزان المدفوعات، والذي يبين مدي نشاط الدولة في التجارة الخارجية وحقيقة الوضع بالنسبة لإجمالي الواردات والصادرات السلعية، كما يعكس أيضاً صورة النشاط الانتاجي للدولة ومدي نجاح سياستها الإتاجية والاقتصادية.

ومن ناحية أخري فإن ميزان السلع والخدمات ارتفع العجز فيه من 4.8 مليار دولار أمريكي عام 2006/ 2007 إلي 8.4 مليار دولار أمريكي عام 2007/ 2008 ويلاحظ أن ميزان المعاملات الجارية »السلع والخدمات فقط« يعتد به بشكل كبير في تحليل ميزان المدفوعات وبيان حجم المعاملات السلعية والخدمية مع الخارج، ومدي نجاح الخطوات التي تسير عليها الدولة في علاقتها الاقتصادية مع الخارج، كما أنه يعكس أيضاً تقييماً واضحاً للسياسات النقدية والتجارية للدولة في تعاملها مع الدول الأجنبية بعيداً عما يصدر من تصريحات مستمرة من السادة المسئولين لتغطية مشاكل معينة.

وفي ضوء ما تقدم فإننا نجد أن الوضع لايحتاج إلي مدح من المعنيين ولا من مراكز البحوث العاملة بالداخل أو الخارج، وإنما يتطلب الأمر تحليل البيان بشكل متكامل وبغرض بيان الثغرات السلبية، وبذل جهود أكبر من الجهات المختصة لمعالجتها وإصدار القرارات الاقتصادية اللازمة لدعم التنمية المستدامة وزيادة الدخل القومي ومعالجة المشاكل الاقتصادية السائدة، وهو ما يتطلب إشرافاً مباشراً ودائماً من السادة الوزراء ورؤساء القطاعات علي الاجهزة التي تتبعهم والبحث عن حلول ناجحة للإصلاح الاقتصادي.

وفي هذا الشأن أيضاً فإنني أذكر أن حصيلة الصادرات المدرجة في الميزان البالغ قدرها 29.4 مليار دولار أمريكي في العام الأخير »2007/ 2008«، وإن كانت قد ارتفعت في هذا العام عن العام السابق له فإنها مازالت لا تتجاوز %17 من الناتج المحلي الإجمالي تقريباً والبالغ قدره 761.2 مليار جنيه مصري في نفس العام »وفقاً لبيانات البنك المركزي المصري« وهي أقل نسبياً من غالبية الدول العربية التي تجاوزت صادراتها %30 من الناتج المحلي الاجمالي، كما أنها أقل بكثير جداً من دول نامية أخري مثل ماليزيا التي وصلت فيها حصيلة الصادرات إلي %98.3 من الناتج المحلي الاجمالي.

وبالتالي فإن الفائض الكبير الذي حققه ميزان المدفوعات في العام الماضي يظهر صورة عكسية في كثير من بنوده، ويوضح التحليل الفني »طالما لجأنا إليه« مواطن العجز الكبير الذي يظهر في بعض بنود الميزان الأساسية وأسبابها، كما يفتح البحث عن كيفية معالجة هذه الأسباب خاصة من المهتمين وذوي الخبرة النقدية.

إنني لا أريد هنا أن انتقص من جهود الذين ساهموا في تحقيق الفائض الكبير في ميزان المدفوعات، ولكني أطالبهم فقط بمزيد من التحليل الدقيق لطبيعة المعاملات مع الخارج وإلغاء الخطوات التي قد تتضمن تحويلات خارجية لا داعي لها، مع دعم السياسات التي تؤدي إلي فائض حقيقي في معاملاتنا مع الخارج، خاصة وقد أصبحنا نعيش وسط أزمة مالية عالمية كبري مازال جزء كبير من أبعادها مجهولاً، حيث لا نعرف حتي الآن من كان وراءها ولا التغيرات الحياتية التي ستصل إليها، وهل ستؤدي إلي اقتلاع النفاق والفساد والظلم.. أم العكس.