بيارق «حزب الله »

لا تزال ردود الأفعال تتوالى حول إطلاق «حزب الله » اللبنانى .. طائرة استطلاع دون طيار فوق وبالقرب من مناطق حساسة بالأجواء الإسرائيلية، ما بين مؤيد ومعارض لتلك العملية النوعية...

لا تزال ردود الأفعال تتوالى حول إطلاق «حزب الله » اللبنانى .. طائرة استطلاع دون طيار فوق وبالقرب من مناطق حساسة بالأجواء الإسرائيلية، ما بين مؤيد ومعارض لتلك العملية النوعية فى تاريخ المقاومة ضد إسرائيل، إلى أن تم اكتشاف الطائرة وإسقاطها بالقرب من مفاعل «ديمونا » ، ذلك فى رسالة واضحة للإسرائيليين أنهم ليسوا وحدهم .. أياديهم طويلة .

ورغم أى تحفظات قد تنسب لممارسات وتحالفات «حزب الله » ، فإنه بات يمثل، بأقله بالنسبة للرأى العام العربى، وبالرغم من محدودية قدراته العسكرية والسياسية، الاستثناء فى الدفاع عن الشرف العربى المفدى، بالمقارنة بدول وجيوش عربية تتهاوى بانتظام وتتحيد فاعلياتها منذ منتصف سبعينيات القرن الماضى، من قبل بناء تشكيلات الحزب مطلع الثمانينيات .. بالتوازى، وبسبب .. اجتياح إسرائيل لبنان .. وتدميرها البنية العسكرية لمنظمة التحرير الفلسطينية يونيو 1982 ، وليقود الحزب الوليد منذئذ لواء المقاومة فى لبنان ضد الاحتلال الإسرائيلى إلى أن تمكن من إجباره على الانسحاب بدون شروط العام 2000 تحت ضغط الخسائر المتوالية التى لحقت بقواته فى جنوب لبنان .

فى غضون عقدين من احتلال إسرائيل لبنان حتى انسحابها منه، لم يكن هناك وسط التخاذل العربى أو الدعم الغربى المطلق لإسرائيل، صوت دال على وفاة العرب المؤجلة غير ما يصدر عن المقاومة اللبنانية، فيما مصر منشغلة بترتيب أوراقها الجديدة مع إسرائيل، والعراق منشغل بالحرب بالوكالة مع إيران ثم إلى غزو الكويت، ويهرول الأردن والفلسطينيون إلى توقيع اتفاقات غير متكافئة مع إسرائيل فى «وادى عربة » وفى «أوسلو » منتصف التسعينيات قبل أن تندلع «انتفاضة الأقصى » العام 2000 التى قوبلت من جانب إسرائيل بقسوة مفرطة غير مسبوقة .

مع مطلع القرن الجديد، حيث كانت الكرامة العربية فى الحضيض، تم غزو العراق فى 2003 ، وإعدام رئيسها، إلى حصار «عرفات » داخل مقر إقامته فى رام الله، قبل تغييبه فى نوفمبر 2004 ، دون بنت شفة من القادة العرب المجتمعين فى قمة بيروت 2002.. احتجاجا على ما يحدث لنظيرهم الفلسطينى، فيما أصدرت قمتهم ما تسمى «مبادرة السلام العربية » التى أغلقت إسرائيل عليها الدرج منذئذ إلى اليوم، ناهيك عن إجبار ليبيا على المبادرة من ناحيتها فى ديسمبر 2003 بتفكيك برنامجها الصاروخى .. وشحنه إلى الغرب فى مشهد مهين، ذلك فيما دول عربية أخرى منشغلة بتعديلات دستورية ترتب لوراثة «الأمراء الصغار » ، الأمر الذى لم يكن ليغيب عن إسرائيل استغلاله لتوجيه ضربة عسكرية واحدة وللأبد تنهى بها أسطورة «حزب الله » فى صيف 2006 ، قبل أن تخرج قواتها بعد 33 يوما من جنوب لبنان، للمرة الثانية خلال ستة أعوام، تجر وراءها أذيال الخيبة والهزيمة، ولترتفع هامات العرب من بعد سنوات أمضوها وأعناقهم منكسة .

أما اليوم، وبعد ستة أعوام أخرى، ها هم العرب يعودون إلى بدء من الخذلان والتقاعس، فمصر .. لأسبابها، منشغلة بتأمين سيناء، فيما يدخل الجيش السورى فى معارك طاحنة مع معارضين شرفاء .. وإرهابيين مستوردين بسيان، ويحاول العراق إعادة بناء نواة الجيش الذى تفكك فى 2003 ، بينما الفلسطينيون منقسمون إلى فريقين لا يجتمعان إلا ليفترقا من جديد، ناهيك عما يتعرض له الأردن على يد جماعة الإخوان التى يهدد حراكها النسيج الديموجرافى الحرج .. ما قد يحول الأردن، برغبة إسرائيلية، إلى وطن بديل للفلسطينيين، ذلك دون استثناء التهديدات بعمل عسكرى ضد إيران، إلخ .

وفى سياق هذا المناخ العربى الملبد بالغيوم، إذ بحزب الله يفاجئنا للمرة الثالثة خلال ثلاثة عقود، بعملية استطلاع نوعية تخترق ما تسمى «القبة الحديد » فى إسرائيل، لعلها تحيى الأمل للشعوب العربية، المبتلية دوما بحكامها، أن اليوم المظلم الذى تعيشه لابد أن يكون له غد مشرق، طالما هناك مثل بيارق حزب الله .