الصعود الآسيوي‮.. ‬فجر جديد لتاريخ الحضارة البشرية‮!‬

شريف عطية مع منتصف القرن الحالي، بحسب الدراسات، فإن ثلاثة من أعظم أربعة اقتصادات في العالم.. سوف تكون آسيوية.. وبهذا الترتيب: الصين، الولايات المتحدة، الهند، واليابان، وإذا كان صعود الغرب..

شريف عطية

مع منتصف القرن الحالي، بحسب الدراسات، فإن ثلاثة من أعظم أربعة اقتصادات في العالم.. سوف تكون آسيوية.. وبهذا الترتيب: الصين، الولايات المتحدة، الهند، واليابان، وإذا كان صعود الغرب خلال القرون القليلة الماضية قدغير وجه التاريخ، فإن صعود آسيا المرتقب، كما يري المراقبون، سوف يأتي بتحول مهم مماثل.. يجمع بين الحداثة الغربية التي انطلقت من خلالها المسيرة الآسيوية.. وبين الذكريات الثقافية الحضارية التي خلفها الماضي لهذه الشعوب الاسيوية، ولا تزال حية، ليستعيدوا لأممهم من خلال زادها شبابها، وليبنوا مستقبلها علي صورة هذه العظمة الغابرة، وحيث من المتوقع من خلال هذا التمازج الحداثي - الحضاري أن يولد فجر جديد في تاريخ البشرية، خاصة إذا ما توصل آسيا والغرب فيما بعد إلي تفهم مشترك حول طبيعة وأهداف هذا العالم الجديد، وأماإذا شعر الغرب بشكل متزايد بالتهديد من نجاح المسيرة الآسيوية - ذات النواة الثلاثية الصلبة - فقد يبدأ في التراجع عن تبني انتشار التحديث.. والاستمرار في العمل مع آسيا في اتجاه انفتاح النظام العالمي، ليتجه عندئذ إلي التراجع والبدء في إثارة القلاقل لآسيا.. سياسياً واقتصادياً، وهو الأمر الذي برزت بوادره مع 2008.. في صورة الحمائية cronismprote التي يلجأ إليها الاتحاد الأوروبي في مواجهة الدول النامية، بحسب مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، ليستبدل الستار الحديدي بين الشرق والغرب.. بستار من الجمارك بين الشمال والجنوب، وحيث تشير الإحصائيات إلي أن لجوء الغرب إلي الحمائيين يجرد الدول النامية بما يقارب 700 بليون دولار سنوياً من دخلها من الصادرات، ناهيك عن وسائل القلقلة الغربية الأخري، عسكرية وسياسية تجاه المسيرة الآسيوية.. التي ستقرر بناء علي رد فعل الغرب تجاهها.. مجري تاريخ العالم.

علي الجانب الآخر من المعادلة الآسيوية الغربية، فإن علاقات الشعوب الآسيوية علي ما هي عليه اليوم.. غير ما كانت منذ عهود تاريخها الأولي، حين عزلتها الدول الغربية عن بعضها.. بعد أن سيطرت عليها في القرون الأخيرة، وتقاسمتها فيما بينها كمناطق نفوذ إلي أن حدثت تحولات دراماتيكية للمسيرة الآسيوية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، ذلك حين استقلت الهند في 1947، وانتصرت الثورة في الصين بعد عامين من إعلان استقلال الهند، ولتصبح الدولتان.. قوتين رئيسيتين من قوي الثورات الآسيوية.. اجتماعيا وسياسيا، إلي جانب اليابان من قبلهما، وهي التي اجتاحت آسيا اقتصاديا في القرن العشرين، حيث أصبحت الهند ليبرالية ديمقراطية، وأخذت الصين بعد حقبتها الماركسية الأولي.. باقتصادات السوق الحرة مع التخطيط المركزي، فيما انفردت عنهما اليابان عقب الحرب العالمية الثانية ببعض الإمكانات الفريدة.. كونها المجتمع الصناعي الأسبق في آسيا.. ويلتقي عندها الشرق والغرب، ولتصبح هذه الشعوب تحت »القوس العظيم« الذي يعلو الأمم من اليابان شرقي آسيا إلي الباكستان والشرق الأوسط في غربها، وما يجري بينهما في الهند والصين.. يؤثر علي آسيا بكاملها، بما في ذلك الدخول إلي العالم الإسلامي في أقصي الغرب الآسيوي، إذ أصبح انتقال الحداثة مسألة وقت فقط.. من الهند إلي باكستان إلي إيران.. بحيث أن كل آسيا سيتم تحديثها في القرن الـ21، فإذا صدقت هذه التوقعات الملموسة.. فلن تكون اسرائيل حيئذ.. هي مركز الحداثة في غرب آسيا.

وبالعودة إلي النواة الآسيوية الثلاثية الصلبة.. التي يتوقف علي تطورها مستقبل كل الأمم تحت »القوس العظيم« من أقصي الشرق الآسيوي إلي دول الشرق الأوسط في غرب القارة، فإن علي الأخيرة أن تستوعب كلا من الخلفية التاريخية والتجربة الحداثية لكبريات الدول الآسيوية الثلاث، إذ تمكنت الهند بفضل نهجها الذي أخذ بالدبلوماسية التوفيقية.. من احتلال مركز رئيسي مطرد الصعود في السياسة الدولية، لم تكن لتبلغه لولا ما تذرعت به من استراتيجية بارعة في سياسيتها الداخلية والخارجية، كما كان للتاريخ دوره في تكوين المناخ الملائم لإنماء مواردها المادية والإنسانية، حيث أصبحت سياستها الخارجية تتداخل تداخلا أكيداً مع السياسة الداخلية.. ضمانا للمصلحة الوطنية، وارتقاء بمقوماتها مع بدايات القرن الحالي إلي مصاف الدول الكبري.

أما الصين، فهي كالهند واليابان.. وباقي الأمم المرشحة لجعل القرن الحالي هو »قرن آسيا« بامتياز.. حديثة العهد بالعلاقات الخارجية - مقارنة بالغرب - بالمعني المفهوم اليوم، إذ ظلت الهند لقرون »درة مستعمرات التاج البريطاني«، ولا تزال اليابان تعالج مشكلة الانعتاق من العزلة التي أوقعتها فيها نتائج الحرب العالمية الثانية وما قبلها، كما ظلت علاقات القصرالامبراطوري في بكين بالعالم الخارجي لقرون طويلة كعلاقة السيد بأتباعه في التبت وكوريا ومنغوليا.. إلخ، أما سكان البلاد الأخري فهم مجرد »برابرة« أجانب ولم يستطع الضغط الغربي أن يقضي علي هذه العزلة حتي القرن التاسع عشر - لأسبابهما، وليصبح واقع الحال بالغرب.. وكأنه يتمني بعد الصعود المطرد للصين.. لو أنه لم يقطع عليها عزلتها الرائعة، إذ باتت تشكل للغرب منذ ثورتها 1949 وحتي الآن.. أحد أهم عناصر القلق والتحدي الذي يواجهه للهيمنة علي آسيا.. وفي التنافس علي مصادر الطاقة، بل وفي الداخل الأمريكي، ولتصبح بكين أحد الأقطاب المرشحة للمشاركة في قيادة النظام الدولي.

وبالنسبة لليابان، فإنها تبدو بعد انقضاء نحو قرن ونصف القرن من عهد »الميجي« 1867، وكأنها تواجه بعض المشاكل التي واجهتها في العهود السابقة عليه، منها الخروج من العزلة لاستئناف دورها في الحياة الدولية عبر اعتماد نهج »غير متردد« ومستقل في السياسة الخارجية، وفي العمل علي بلوغ المساواة مع الغرب بعدما تعرضت خلال الحقب الأخيرة لضغط خارجي بالغ.. ولمعاملة شبه مجحفة من قبل الآخرين، ذلك دون الإقدام علي التضحية بما يوفره لها التحالف القوي مع الغرب.. الذي يؤمن لها مستويات التقدم المالي والتقني الذي بلغته... من أخطار محتملة قد تأتي إليها من بعض دول الجوار، وفي الاحتفاظ بمركزها القديم - الجديد.. في الشرق الأقصي، وهو الأمر الذي لم يختلف بعد بروز اليابان كقوة عالمية، إذ إنها أقرب الدول إلي الصين في شمال شرق آسيا ودورهما أساسياً في استقرار السلم في آسيا، التي يتوقف تحريرها من السيطرة الغربية علي مدي تعاونهما، وإذا بات من المعلوم ما حاق بالنمرين الآسيويين.. وبالقارة كلها جراء صراعهما في الماضي، فإن لا أحد يعرف كيف سيتغير وجه التاريخ في تلك البقعة من العالم.. حال نفضها عن كاهلهما ذكريات الماضي البغيضة..

إلي ذلك، فإن صعود كبريات دول آسيا الثلاث.. سيكون أمرا طيبا للشعوب الآسيوية، إذ كان لصعود كل من الصين والهند اثر مهم في تحرير مئات الملايين من أغلال الفقر، كما يحقق الكثير من الخير للعالم، وحيث يدعو »روبرت زوليك« المدير المالي للبنك الدولي.. الصين في 2005 لكي تصبح »شريكا مسئولا« في النظام الدولي، ومنذ هذا الوقت استجابت بكين بشكل إيجابي لهذه الدعوة، وحقا فإن معظم الآسيويين يريدون أن يصبحوا شركاء مسئولين في النظام الدولي... حيث باتوا في العقود الأخيرة من أكبر المستفيدين من النظام المتعدد المفتوح، وهو النموذج الذي ابتدأته اليابان لتسير علي نهجها النمور الاقتصادية »الأربعة«، ثم لحقت بهم الصين التي حققت من خلال النموذج الإنمائي لليابان أسرع نمو اقتصادي في العالم، الأمر الذي ألهم الهند لتحقيق نفس النجاح.

إن نجاح المجتمعات الآسيوية في الصعود.. لم يكن لكونها أعادت اكتشاف بعض جوانب القوة لحضارتها القديمة فحسب، إنما في الأساس لأنها اندفعت وراء التجربة اليابانية، ولو متأخراً، بنحو 150 عاما، لكي تفهم رسالة النجاح الغربي (...) خلال المائتي عام الماضية.. ربما من أهمها شيوع ثقافة السلام في العلاقات بين الأمم الغربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بعد قرون من الحروب فيما بينهم، وهو الأمر الذي لم تبلغه بعد امكانيات الصراع والتنافس بين القوي والكيانات الآسيوية الكبيرة (..)، مما قد يعيق فضلا عن قلقلة الغرب.. من وتيرة تقدم المسيرة الآسيوية، وللآملين من المجتمعات العربية غرب القارة.. حذو حذوها، إذ لا تزال الأخيرة نهبا للصراعات والغيرة الدبلوماسية فيما بينها، مكتفية بالتسكع علي أبواب الغرب طلبا للمعونات والحلول السياسية والاقتصادية سابقة التجهيز من دون النفاذ إلي ما يسمي أعمدة الحكمة الغربية (..) واستيعابها علي غرار ما كان من أمم »القوس العظيم« الآسيوية.