العداد والفوطة الصفراء

محمد على خير العداد هو نظام يمارسه الإعلام المصري منذ سنوات طويلة عندما يرصد مشكلة تحدث في البلاد.. وتبدأ حملة تنافسية بين وسائل الإعلام المختلفة من مسموع الي مرئي ومقروء....

محمد على خير

العداد هو نظام يمارسه الإعلام المصري منذ سنوات طويلة عندما يرصد مشكلة تحدث في البلاد.. وتبدأ حملة تنافسية بين وسائل الإعلام المختلفة من مسموع الي مرئي ومقروء.


واذا لم يصب الضعف ذاكرتك مثلي.. فيمكنك تذكر حالات عديدة مارس خلالها إعلامنا المحلي سياسة العد.. عن قصور شديد بأهمية دوره في تعامله مع الكوارث والملمات.. لكن قبل أن نعود الي الوراء..أرجو منك متابعة ما يمارسه الإعلام الآن تجاه مرض أنفلونزا الخنازير.. حيث اختزل دوره في مجرد ذكر و»عد« أرقام الحالات المصابة بالفيروس.. وكلما وجهت عينيك إلي القنوات الفضائية أو الصحف وجدت العداد الكئيب شغالاً ذاكراً أرقام الإصابة بالفيروس.. منذ إعلان وزير الصحة عن دخول الفيروس إلي مصر حتي رقم اليوم »أمس« وهو 23.. وأصبح الإعلام أسيراً للرقم بعيداً عن جوهره ومضمونه.

ما يمارسة الإعلام تجاه المواطنين به درجة عالية من السادية وبث الهلع والرعب في نفوس المواطنين وأكثرهم من البسطاء.. رغم أن زيادة عدد المصابين لا تحمل دلالة علي توحش فيروس أنفلونزا الخنازير.. كما أن رفع منظمة الصحة العالمية درجة التحذير الي المرحلة السادسة لا يعني أن البشرية تواجه الفناء.. لكنه يعني فقط اتساع الرقعة الجغرافية التي يظهر فيها المرض.

في مرض أنفلونزا الخنازير هناك حقيقتان علميتان وردتا علي لسان أهل العلم وليس الإعلام.. الأولي هي أن الفيروس الحالي لأنفلونزا الخنازير ضعيف ويمكن القضاء عليه بمجرد تناول قرص اسبرين.. وأن فيروس الأنفلونزا العادية الذي يصيبنا شتاء أكثر خطورة.. أما الحقيقة الثانية فهي توطن فيروس أنفلونزا الطيور في مصر، مما يحتاج إلي جهود طبية وتوعية إعلامية حقيقية تبتعد عن الإثارة والقشريات لإفادة الناس.

عودة إلي أول المقال وأسلوب العداد الذي يتبعه إعلامنا المحلي منذ سنوات تجاه كل ظاهرة تحدث في المجتمع دون أن يقدم مضموناً.. فمثلا عندما ارتفع سعر صرف الدولار مقابل الجنيه في السوق السوداء، وجدنا الصحف تنشر يومياً سعر الدولار، وكأننا في ماراثون.. حتي أن الرئيس قد ضجر من هذه الفوبيا الإعلامية، وطلب في اجتماع له مع رؤساء التحرير بالتوقف عن هذه الملاحقة لأنها تزيد السوق اشتعالاً مع التسليم- بداهة- بأن الإعلام ليس هو السبب في رفع سعر الدولار.. وما حدث في الدولار تكرر في أنفلونزا الطيور حيث لجأت وسائل الإعلام الي سياسة العداد.. وكذلك في جرائم القتل وحوادث الاغتصاب.. وكأن كل تلك الحوادث والكوارث لا تحدث يوميا.

متي يضع الإعلام المصري الفوطة الصفراء علي العداد وينظر باهتمام الي بقية أجزاء السيارة.. أقصد المجتمع؟!