«الحرية» لها مذاق آخر!

على راشد بخطوات مترددة أدخل وكرَ «الكفّار» هكذا قالوا لى قبل الولوج إليه؛ لأتأهب لصراع نفسى بين مستقبل لا أعلمه وماضٍ كله سير على طريق ملغم بكلمات «حرام ... فسق...

على راشد

بخطوات مترددة أدخل وكرَ «الكفّار» هكذا قالوا لى قبل الولوج إليه؛ لأتأهب لصراع نفسى بين مستقبل لا أعلمه وماضٍ كله سير على طريق ملغم بكلمات «حرام ... فسق ... علمانية ... كفر» وغيرها من المصطلحات التى استقيتها من حصص التربية الدينية وكلية «دار العلوم» التى علمتنى أن الاسم «مرقص» لا يُعطف أبدًا على اسم «حسن»، و«بولس» لا يُنعت أبدا بـ«صالح»، وأن المبتدأ «محمد» والخبر «إسلام» وما سواهما «شبه جملة» ... لا محل له من الإعراب!!

دخلت جريدة «المال» وأول من رأيت كان حازم شريف –رئيس التحرير– الذى صدمنى بسؤاله عن الدولة العلمانية والدولة الإسلامية وحينها كان ردى «علمانية ... علمانية» وذلك لألتحق بالعمل فقط، وطأتْ أقدامى المتسخة بالانغلاق قسم «ثقافة وفنون»، وفيه أقنعت نفسى بأننى سأعمل على نشر الإسلام فى وكر دار الكافرين، بدأت العلاقات تنضج شيئًا فشيئًا مع الزملاء لكننى كنت دائما فى حالة من التأهب رافضًا حديث «النصارى» أو «مخالطة النساء» - فأمثالى من السلفيين لا يرون فى النصارى إلا الكفر ولا فى المرأة سوى العورة- .

ظهرت لى أنماط غريبة داخل القسم، كان أبرزها رئيس القسم حافظ هريدى الذى لم أكن أعلم له دينًا؛ لكننى تمنيت أن يكون مسلمًا، أما نائبته إيمان عوف تلك الشخصية القوية فكانت تستفزنى لأننى لم أتوقع –أبدًا- أن امرأة تكون لها تلك الشخصية العنيدة، بينما كانت أكثر الشخصيات استهجانًا هى فيولا فهمى فهى ليست فقط امرأة – أى عورة – وإنما مسيحية أيضا، فلم يكن بيننا حديث ولا سلام.

مع مرور الوقت وداخل أدغال القسم السياسى، كانت تحتد النقاشات السياسية التى لم تكن تخلو من كلمات غريبة على مسامعى مثل «حرية» تلك الكلمة التى كان لها الاهتمام الأكبر داخل القسم، بدأتُ الدخول إلى عالمهم بهدف إحباط محاولاتهم أو هدايتهم - فربما تسلم فيولا مثلا وأكسب ثوابها!- ، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه ، وانقلبت الآية حيث بدأت الغمامة تنزاح عنى شيئا فشيئا وذلك حينما نحيّتُ الخوف جانبًا وغيرّت نغمة الموبايل الإسلامية إلى موسيقى –كانت محرمة عليّ من قبل– واصطحبت فيولا وإيمان إلى الكاتدرائية بعد حادث كنيسة «القديسين»، ومع تركيزى فى الوجوه الحزينة هناك نزلت أول دمعة داخل الكاتدرائية لم أدرِ حينها لماذا ؟ هل كانت دموع الإحساس بالذنب لأنى أعتبر مشاركًا فى جريمة قتل أبرياء لا تهمة لهم سوى الدين حتى ولو كانت مشاركتى من خلال رفضى وجودهم فقط؟ أم كانت على والدى المتوفى الذى طالما نصحنى بعدم النظر إلى الديانة وأن أنظر فقط إلى الإنسان بما يحمله من معان؟.

كانت تلك الدموع العابثة خجلًا مما مضى سببًا لبداية جديدة لأدخل فى أغوار مصطلحات أكثر تطورًا مثل «التفكير» الذى لم أشغل بالى به من قبل، و«الوطن» الذى كان أقل من أن أتحدث عنه، و»الثورة» التى لم تدخل نطاق الخيال ضمن هواجسي، وصرت شخصًا جديدًا غيّر جلده الباهت بآخر أكثر نصاعة ووضوحًا؛ لأتحول من مقيد وجبان ومغيب وجاهل إلى «حُر...!!!».

وتحولت «المال» من موقع للعمل إلى بيت ثانِ ، به أهل من كل الأطياف يختلفون كثيرًا دون إفساد أى قضية للود ، وصرت أكتب فيه دون قيدٍ، أضحكُ فيه بلا خوف، أبكى فيه بلا ضعف، أثور فيه بلا قمع، فكل عام و«المال» وشبابها أحرار.