: شريف عطية
< عضو مكتب مستشار الرئيس للأمن القومي في السبعينيات، ووكيل الوزارة للمجلس الأعلي للثقافة سابقا.
علي غير ما كان عليه الحال لحقبة طويلة سابقة علي القرن 18، تناوب فيها المماليك شئون مصر بالنيابة عن الباب العالي.. حيث كان الحكم يدين وقتئذ للأكثر دهاء وتآمراً ودموية، إذ انتظمت من بعد ذلك وإلي حد كبير، مسألة الخلافة طواال القرنين 19، 20، إلي أن عادت والتبست -أو كادت- منذ ثمانينيات القرن الماضي.. لأهداف ضيقة وتحت ذرائع مختلفة، حتي بات الجزع يأخذ بتلابيب المصريين جراء غموض المستقبل، خاصة مع ارتباك الأحوال العامة من ناحية -وانخفاض السقف السياسي ليتناسب مع هامات القائمين بالعمل السياسي من ناحية ثانية، وإلي الحدّ الذي أصبح من غير المستغرب أن تطالب نخب مرموقة (..) بمعاودة الاستعانة بغير المصريين في تسيير أمور البلاد.
في سياق هذا المناخ الذي يلفه الإحباط والغموض.. تعددت تعبيرات المصريين -نخب وعوام- لوصف أحوال بلادهم، وربما كان أكثرها شيوعا ودقة ما نحته الراحل الحاضر أحمد بهاء الدين عن سياسة »الانفتاح الاقتصادي« التي غيرت وجه مصر منذ 1975.. حين وصفها بانفتاح »السداح مداح« تعبيرا عن الفوضي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الناتجة عنها والتي لا تزال تطبيقاتها المستمرة -بحسب د.عبدالعزيز حجازي ديسمبر الجاري -من وراء »ارتفاع نسب الفقر والبطالة والغلاء«، ولتسفر في نهاية المطاف عن سمات تلك المرحلة التي سماها الباحث اللامع عمرو الحمزاوي مؤخرا »خصخصة الاستبداد«، ربما للتعبير عما تمر به المسألة الداخلية المصرية من (إصلاحات) سياسية ودستورية واقتصادية تأتي بعكس ما هو مقصود بها، إذ تكرس الشمولية وتقنن حالة التردي المجتمعي، وتعظم من حالة التدهور المعيشي التي عجزت تلك الإصلاحات عن مواءمته بسبب حجم الفساد، واستغلال النفوذ، والتقاطع بين السياسة وعالم المال.. الأمر الذي كاد أن يسفر عن تحرك الفقراء لمواجهتها سواء بالإضرابات والاعتصامات والاحتجاجات علي النحو الذي شهده بكثافة العام 2007، ربما وصولا في النهاية إلي العصيان المدني.
في ذات السياق، فإن هاجس مستقبل الحكم، والشخصية التي ستتولي مسئولياته مستقبلا.. والمرتبطة بوضوح مع ما يطلق عليه »التوريث«.. بات يطغي علي الجدل السياسي العام.. وذلك في ظل »ثنائية« سياسة شمولية (الحزب الوطني - الإخوان) أصبحت تحتكر الشارع المصري، بحيث بات من الطبيعي -للأسف- أن تتحدد شخصية الرئيس المقبل نتيجة حصيلة المعركة بينهما.. الأمر الذي يجعل المصريين أقرب شبها بالمستعين عن الرمضاء بالنار، إذ تعني الغلبة لأحدهما.. إما استمرار الحالة المجتمعية المتردية القائمة حاليا أو استحداث فوضي مغايرة تغير من التركيبة الائتلافية الوسطية التي سيرث دفة الأمور في مصر منذ بدايات القرن الماضي، خاصة أن الحزب المهيمن لستة عقود خلت علي انقاض العهد الليبرالي السابق -لا يرعي »الأكفأ« في اختياره لتولي منصب الرئيس المقبل حين يحين أوان خلافته، أضف إلي ذلك توانيه غير المبرر في تخفيض الضغوط عن كاهل المواطن أو امتصاص أسباب اعتراضاته علي السياسة العامة أو بالكف عن سياساته غير المباشرة لتقليص دور الأحزاب الأخري.. إذ أنه، والأمر كذلك.. لن يمكنه خوض معركة شعبية ناجحة للبقاء علي رأس الدولة مهما كانت الشخصية التي يختارها لخلافة المنصب الأول، الأمر الذي تتزايد معه احتمالات حدوث تحولات دراماتيكية في الحراك السياسي قد تتجه نحو حكم عسكري سافر أو حكومة ثيوقراطية منغلقة، وكلا الاحتمالين سوف يؤديا إلي عزل مصر وتحييدها عن المشاركة في تقرير مصير النظام العربي الذي تجري المحاولات الغربية علي قدم وساق لدمجه مثل »خيال المآتة« في نظام إقليمي جديد للشرق الأوسط.
لقد استطاعت مصر -رغم المحن والمتغيرات- المحافظة علي تواصل تركيبتها الائتلافية الوسطية طوال الحقبة الطويلة الممتدة عبر النظامين الملكي والجمهوري، الليبرالي والثوري، إذ يرجع نجاحها في ذلك - لسبب رئيسي- يتمثل في انتظام مسألة الخلافة.. والرضاء الشعبي العام عن اختياراتها المختلفة، إلا أن الانحراف بالأسس العامة المرعية للخلافة نحو مسالك شخصية سوف تؤدي إلي انطلاق عملية حراك سياسي عشوائية قد تنعكس بالسلب علي التماسك الهش لحالة الاستقرار السياسي والاجتماعي القائمة.. خاصة مع تحالف التطبيقات الاقتصادية المشوشة لـ»سياسة الانفتاح« مع الأهداف المغلوطة للإصلاح الدستوري »خصخصة الاستبداد«.. الأمر الذي تبدّي بشكل غير مسبوق عبر الاعتراضات المجتمعية التي تتزايد ايقاعاتها اضطرادا، ومما ينذر بشيوع للفوضي علي الساحة الداخلية.. ناهيك عما يعتري الأمن القومي المصري في الساحة الخارجية علي الصعيدين الإقليمي والدولي.
< عضو مكتب مستشار الرئيس للأمن القومي في السبعينيات، ووكيل الوزارة للمجلس الأعلي للثقافة سابقا.
علي غير ما كان عليه الحال لحقبة طويلة سابقة علي القرن 18، تناوب فيها المماليك شئون مصر بالنيابة عن الباب العالي.. حيث كان الحكم يدين وقتئذ للأكثر دهاء وتآمراً ودموية، إذ انتظمت من بعد ذلك وإلي حد كبير، مسألة الخلافة طواال القرنين 19، 20، إلي أن عادت والتبست -أو كادت- منذ ثمانينيات القرن الماضي.. لأهداف ضيقة وتحت ذرائع مختلفة، حتي بات الجزع يأخذ بتلابيب المصريين جراء غموض المستقبل، خاصة مع ارتباك الأحوال العامة من ناحية -وانخفاض السقف السياسي ليتناسب مع هامات القائمين بالعمل السياسي من ناحية ثانية، وإلي الحدّ الذي أصبح من غير المستغرب أن تطالب نخب مرموقة (..) بمعاودة الاستعانة بغير المصريين في تسيير أمور البلاد.
في سياق هذا المناخ الذي يلفه الإحباط والغموض.. تعددت تعبيرات المصريين -نخب وعوام- لوصف أحوال بلادهم، وربما كان أكثرها شيوعا ودقة ما نحته الراحل الحاضر أحمد بهاء الدين عن سياسة »الانفتاح الاقتصادي« التي غيرت وجه مصر منذ 1975.. حين وصفها بانفتاح »السداح مداح« تعبيرا عن الفوضي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الناتجة عنها والتي لا تزال تطبيقاتها المستمرة -بحسب د.عبدالعزيز حجازي ديسمبر الجاري -من وراء »ارتفاع نسب الفقر والبطالة والغلاء«، ولتسفر في نهاية المطاف عن سمات تلك المرحلة التي سماها الباحث اللامع عمرو الحمزاوي مؤخرا »خصخصة الاستبداد«، ربما للتعبير عما تمر به المسألة الداخلية المصرية من (إصلاحات) سياسية ودستورية واقتصادية تأتي بعكس ما هو مقصود بها، إذ تكرس الشمولية وتقنن حالة التردي المجتمعي، وتعظم من حالة التدهور المعيشي التي عجزت تلك الإصلاحات عن مواءمته بسبب حجم الفساد، واستغلال النفوذ، والتقاطع بين السياسة وعالم المال.. الأمر الذي كاد أن يسفر عن تحرك الفقراء لمواجهتها سواء بالإضرابات والاعتصامات والاحتجاجات علي النحو الذي شهده بكثافة العام 2007، ربما وصولا في النهاية إلي العصيان المدني.
في ذات السياق، فإن هاجس مستقبل الحكم، والشخصية التي ستتولي مسئولياته مستقبلا.. والمرتبطة بوضوح مع ما يطلق عليه »التوريث«.. بات يطغي علي الجدل السياسي العام.. وذلك في ظل »ثنائية« سياسة شمولية (الحزب الوطني - الإخوان) أصبحت تحتكر الشارع المصري، بحيث بات من الطبيعي -للأسف- أن تتحدد شخصية الرئيس المقبل نتيجة حصيلة المعركة بينهما.. الأمر الذي يجعل المصريين أقرب شبها بالمستعين عن الرمضاء بالنار، إذ تعني الغلبة لأحدهما.. إما استمرار الحالة المجتمعية المتردية القائمة حاليا أو استحداث فوضي مغايرة تغير من التركيبة الائتلافية الوسطية التي سيرث دفة الأمور في مصر منذ بدايات القرن الماضي، خاصة أن الحزب المهيمن لستة عقود خلت علي انقاض العهد الليبرالي السابق -لا يرعي »الأكفأ« في اختياره لتولي منصب الرئيس المقبل حين يحين أوان خلافته، أضف إلي ذلك توانيه غير المبرر في تخفيض الضغوط عن كاهل المواطن أو امتصاص أسباب اعتراضاته علي السياسة العامة أو بالكف عن سياساته غير المباشرة لتقليص دور الأحزاب الأخري.. إذ أنه، والأمر كذلك.. لن يمكنه خوض معركة شعبية ناجحة للبقاء علي رأس الدولة مهما كانت الشخصية التي يختارها لخلافة المنصب الأول، الأمر الذي تتزايد معه احتمالات حدوث تحولات دراماتيكية في الحراك السياسي قد تتجه نحو حكم عسكري سافر أو حكومة ثيوقراطية منغلقة، وكلا الاحتمالين سوف يؤديا إلي عزل مصر وتحييدها عن المشاركة في تقرير مصير النظام العربي الذي تجري المحاولات الغربية علي قدم وساق لدمجه مثل »خيال المآتة« في نظام إقليمي جديد للشرق الأوسط.
لقد استطاعت مصر -رغم المحن والمتغيرات- المحافظة علي تواصل تركيبتها الائتلافية الوسطية طوال الحقبة الطويلة الممتدة عبر النظامين الملكي والجمهوري، الليبرالي والثوري، إذ يرجع نجاحها في ذلك - لسبب رئيسي- يتمثل في انتظام مسألة الخلافة.. والرضاء الشعبي العام عن اختياراتها المختلفة، إلا أن الانحراف بالأسس العامة المرعية للخلافة نحو مسالك شخصية سوف تؤدي إلي انطلاق عملية حراك سياسي عشوائية قد تنعكس بالسلب علي التماسك الهش لحالة الاستقرار السياسي والاجتماعي القائمة.. خاصة مع تحالف التطبيقات الاقتصادية المشوشة لـ»سياسة الانفتاح« مع الأهداف المغلوطة للإصلاح الدستوري »خصخصة الاستبداد«.. الأمر الذي تبدّي بشكل غير مسبوق عبر الاعتراضات المجتمعية التي تتزايد ايقاعاتها اضطرادا، ومما ينذر بشيوع للفوضي علي الساحة الداخلية.. ناهيك عما يعتري الأمن القومي المصري في الساحة الخارجية علي الصعيدين الإقليمي والدولي.