د. عمار على حسن
تولع التنظيمات والجماعات السياسية ذات الإسناد الإسلامي بفكرة »الدولة« أو »الإمارة« مستسلمة لمنطق تاريخي يتوهم أصحابه أن بوسعهم إعادة إنتاج تجربة »المدينة«، التي كانت نواة لإمبراطورية إسلامية ترامت أطرافها. وينسي هؤلاء أن الرسول الكريم ليس بينهم، وأن المدينة لم تكن دولة بالمعني المتعارف عليه إنما كانت كياناً اجتماعياً ـ سياسياً بسيطا، وأن القرآن الكريم لم يخاطب الرسول عليه الصلاة والسلام بوصفه نبيا وملكا في آن واحد، علي النقيض من مخاطبته سيدنا سليمان عليه السلام، وأن عالمية الإسلام، كدين خاتم نزل به الوحي الأمين رحمة للعالمين، تقتضي إعادة التفكير في ربط الإسلام حتميا بالدولة.
كل هذا لا يعني الجماعات المسلحة التي حولت الدين إلي أيديولوجيا، والتي إن كنا نحترم منطقها ونتعاطف معها حين تطرح نفسها كحركة مقاومة ضد الاحتلال، فإننا ننزعج من إصرارها علي تفكيك الدول القائمة، لحساب نزعات عارضة وشخصية ومريضة، لا يري أصحابها أبعد من أنوفهم، ولا يدرون أنهم في نهاية المطاف يتحولون إلي معول هدم للأمة، وخنجر مسموم في خاصرة المسلمين جميعا.
ومن بين هؤلاء حركة »طالبان باكستان« التي تضغط في هذه الآونة بشدة علي أعصاب الدولة الباكستانية، وتستدرج جيشها في حرب استنزاف تدور رحاها منذ عامين، مما يعني إضعاف باكستان لحساب الهند، عدوها اللدود، وهي مسألة لو فكر فيها »الطالبانيون« لما انزلقوا إلي ما هم فيه وعليه، ولما أصبحوا في لحظة رخيصة يعملون ضد مصلحة بلدهم.
إن باكستان لم تعدم الوسائل السلمية والسليمة، التي تعطي أي فريق أو تيار أو حركة أو حزب سياسي داخلها طريقا واضحة للاعتراض علي سياسات الحكومة، ومن هنا فإن كان مسلك الرئيس عاصف زرداري لا يعجب الطالبانيين أو الأحزاب والجماعات الإسلامية كافة، وإن كان أتباعها لا تروق لهم علاقة إسلام أباد بواشنطن، أو دخول باكستان كطرف مناصر لقوات التحالف الغربية في حربها ضد حركة طالبان الأفغانية، فبوسعهم أن يلجأوا إلي الطرق والوسائل ذات الشرعية السياسية والمشروعية القانونية، لإعلان اختلافهم مع الحكومة، وتقديم مقترحات مختلفة، والتجهيز لبديل واضح المعالم يحل محلها بالآليات التي كفلها الدستور. ويمكن لهؤلاء أن يضغطوا في اتجاه إطلاق حوار وطني لتحسين شروط التعامل مع الولايات المتحدة، بما لا يؤثر سلبا في المستقبل علي المصالح الاستراتيجية لباكستان، كما يمكنهم أن يفكروا في مساعدة المقاتلين الذين يستهدفون القوات الأجنبية علي أرض أفغانستان، وليس من يستهدف المدنيين، ويحارب فقط من أجل حيازة السلطة، مهما كان حجم الدمار الذي يخلفه في سبيل تحقيق هذه الغاية غير النبيلة.
لقد طالب »الإسلاميون« في وادي سوات بتطبيق الشريعة، وكان لهم ما أرادوا، حيث أبرمت الدولة معهم اتفاقا عبر الحكومة المحلية في الإقليم ينص علي وقف طالبان إطلاق النار مقابل سماح السلطات بإنشاء محاكم لتطبيق الشرعية الإسلامية داخل مقاطعة ملاقند، فانتهت بهذا فترة من القتال والفوضي هناك. لكن طالبان لم تلتزم بإلقاء السلاح، واستمرت في تحدي الدولة الباكستانية، وإحراجها أمام شعبها وأمام العالم، مما جعل السلطات تتبني هذه المرة المعادلة الصفرية في مواجهة »الطالبانيين« وتتحدث عن »اجتثاث« مهما كان هذا علي حساب مدنيين، لم يرق لهم مسلك طالبان، ومهما أدي هذا المسلك إلي إظهار الحكومة الباكستانية وكأنها تنفذ مخططا خارجيا لتعرية ظهر طالبان الأفغانية، وهي مسألة ستوجد مشاكل داخلية للسلطة، مع شعب بات قطاع منه ممتعضا من تخلي باكستان عن تصورها القديم الذي كان يسعي بجد واجتهاد كاملين إلي جعل أفغانستان ظهيرا لباكستان، ويحارب أي نفوذ للهند هناك.
لكن معالجة أي خلل في فهم الحكومة وإدراكها لا تتم بإشهار السلاح، وجرح هيبة الدولة، وهي مسألة لا يفهمها الطالبانيون علي وجه الدقة، لأنهم لا يعطون ذهنهم إلا لـ»التصورات والحتميات الأيديولوجية« التي تدفع في اتجاه إعلان »الإمارة الإسلامية« مهما كان شكلها أو حجمها أو قدراتها أو حتي قدرها المحتوم. وهذه الداء متأصل في تفكير الكثيرين من أصحاب التصور السياسي الإسلامي الراديكالي، حيث يتحدثون دوما عن »الهجرة« و»الوطن البديل« و»الإمارة«.
ورغم أن التصور الإسلامي المعافي من ضيق التطرف- الذي تمتثل له الأغلبية الكاسحة من المسلمين، والأكثرية الظاهرة من بين المنتمين إلي الجماعات والتنظيمات السياسية ذات الإسناد الإسلامي- يرفض هذا المسلك، فإن فكرة إعادة إنتاج حادث الهجرة، لا تزال تراود قلة معزولة فكريا من المنخرطين في صفوف هذه الجماعات وتلك التنظيمات، بعد أن قام بعضهم بتنفيذها في أرض الواقع، مثل عبد الله السماوي وشكري مصطفي وهما من قادة الأجنحة المتطرفة لـ »الحركة الإسلامية« في مصر خلال سبعينيات القرن المنصرم، وأسسا هذا السلوك علي اعتبار أن المجتمع يعيش »جاهلية« جديدة، حسبما ذهب سيد قطب في كتابه الصغير المؤثر »معالم في الطريق«.
وإذا كان الأخذ والرد مع معتنقي هذه الفكرة في مصر قد هز يقينهم في التمسك بها، وجعل الكثيرين يراجعون موقفهم، فإن مثل هذا »الاشتباك الفكري« لم يتوفر لمن تركوا أرض العرب طيلة عقد كامل من الزمن، امتد من 1979 إلي 1989 من أجل »الجهاد« في أفغانستان. فبعد الخروج الذليل للاتحاد السوفيتي المنهار من أرض الأفغان، لم يجد الشباب العربي، الذي سلك إلي كابول دروبا رسمية معلومة وبتدبير أمريكي متفق عليه، الأبواب مفتوحة للعودة إلي الديار. وإذا كانت قلة قد تسللت عبر النوافذ الضيقة، ودخلت إلي وطنها الأم، لتواجه الاعتقال أو الملاحقة الداخلية، فإن الأغلبية فضلت البحث عن الخيار المر، وهو »الوطن البديل«.
ولم يجعل الانقلاب الذي شهدته السودان في آب (أغسطس) من عام 1989 هؤلاء يتحيرون طويلا في تحسس مواضع أقدامهم الباحثة عن »وطن بديل«. فالنخبة الجديدة التي وصلت إلي سدة الحكم في الخرطوم رفعت شعارات »إسلامية« بلغت في طموحها حد تصور إمكانية قيام »أممية« أو علي الأقل الإحلال محل التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين. ومن ثم كانت وجهة »الأفغان العرب« هي السودان، خاصة بعد أن تمكن زعيمهم الروحي أسامة بن لادن من الذهاب إلي هناك.
فلما توغل الأمريكيون في أرض الصومال عام 1992 تحت لافتة ما يسمي »التدخل الحميد«، وجد »الأفغان العرب« أنهم أمام فرصة جديدة للجهاد ضد الدولة التي كانت قبل ثلاث سنوات فقط تمثل الظهر الأقوي والأهم في مساندتهم، فذهبوا إلي الصومال، نزولاً من السودان أو إبحارا من اليمن، الذي كانت جباله الوعرة ملاذا لكثير من هؤلاء. ومن هنا اتسعت أمامهم رقعة »الوطن البديل« لتشكل مثلثا جغرافيا، قاعدته السودان ووتراه اليمن والصومال، مع بعض الهوامش في كينيا وتنزانيا.
لكن هذا الوطن الموزع علي قارتين وثلاث دول لم يكن آمنا بأي حال من الأحوال، إنما كان مكانا عابرا لهبوط اضطراري من قادة »الأفغان العرب« وأتباعهم. فلما استولت حركة »طالبان« علي أفغانستان، وأزاحت الفرقاء من مجاهدي الأمس لاح في الأفق المكان الآمن، الذي يظلله توافق الرؤي، ووحدة التصور والمصير، فشد الشباب المطارد الرحال إلي هناك يحملون علي أكتافهم ما تبقي من أمتعة بسيطة، وفي أعينهم حلم التحقق والتمكن السياسي، الذي تجاوز حدود أفغانستان، ليسيح في العالم الفسيح. من هنا جاء ضرب سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام، بعد سلسلة هجمات محدودة نسبيا ضد أهداف أمريكية في منطقة الخليج، ليجر الحليفين (طالبان والعرب الأفغان) إلي مواجهة صريحة مع القوي الكبري في عالمنا المعاصر. فلما وقع حادث الحادي عشر من أيلول دفعت الولايات المتحدة بجيش جرار إلي أفغانستان، وأزاحت طالبان عن الحكم، فأزالت بالتالي وطن »القاعدة«، وشتتت عناصرها في البلاد.
جاء غزو العراق ليفتح أمام فلول القاعدة طريقا أخري إلي »وطن بديل«، سموه »إمارة العراق الإسلامية«، التي تتآكل الآن لأنها مجرد وهم، كما هي الحال في »إمارة سوات« التي ينهي الجيش الباكستاني حاليا وجودها تماما.
تولع التنظيمات والجماعات السياسية ذات الإسناد الإسلامي بفكرة »الدولة« أو »الإمارة« مستسلمة لمنطق تاريخي يتوهم أصحابه أن بوسعهم إعادة إنتاج تجربة »المدينة«، التي كانت نواة لإمبراطورية إسلامية ترامت أطرافها. وينسي هؤلاء أن الرسول الكريم ليس بينهم، وأن المدينة لم تكن دولة بالمعني المتعارف عليه إنما كانت كياناً اجتماعياً ـ سياسياً بسيطا، وأن القرآن الكريم لم يخاطب الرسول عليه الصلاة والسلام بوصفه نبيا وملكا في آن واحد، علي النقيض من مخاطبته سيدنا سليمان عليه السلام، وأن عالمية الإسلام، كدين خاتم نزل به الوحي الأمين رحمة للعالمين، تقتضي إعادة التفكير في ربط الإسلام حتميا بالدولة.
كل هذا لا يعني الجماعات المسلحة التي حولت الدين إلي أيديولوجيا، والتي إن كنا نحترم منطقها ونتعاطف معها حين تطرح نفسها كحركة مقاومة ضد الاحتلال، فإننا ننزعج من إصرارها علي تفكيك الدول القائمة، لحساب نزعات عارضة وشخصية ومريضة، لا يري أصحابها أبعد من أنوفهم، ولا يدرون أنهم في نهاية المطاف يتحولون إلي معول هدم للأمة، وخنجر مسموم في خاصرة المسلمين جميعا.
ومن بين هؤلاء حركة »طالبان باكستان« التي تضغط في هذه الآونة بشدة علي أعصاب الدولة الباكستانية، وتستدرج جيشها في حرب استنزاف تدور رحاها منذ عامين، مما يعني إضعاف باكستان لحساب الهند، عدوها اللدود، وهي مسألة لو فكر فيها »الطالبانيون« لما انزلقوا إلي ما هم فيه وعليه، ولما أصبحوا في لحظة رخيصة يعملون ضد مصلحة بلدهم.
إن باكستان لم تعدم الوسائل السلمية والسليمة، التي تعطي أي فريق أو تيار أو حركة أو حزب سياسي داخلها طريقا واضحة للاعتراض علي سياسات الحكومة، ومن هنا فإن كان مسلك الرئيس عاصف زرداري لا يعجب الطالبانيين أو الأحزاب والجماعات الإسلامية كافة، وإن كان أتباعها لا تروق لهم علاقة إسلام أباد بواشنطن، أو دخول باكستان كطرف مناصر لقوات التحالف الغربية في حربها ضد حركة طالبان الأفغانية، فبوسعهم أن يلجأوا إلي الطرق والوسائل ذات الشرعية السياسية والمشروعية القانونية، لإعلان اختلافهم مع الحكومة، وتقديم مقترحات مختلفة، والتجهيز لبديل واضح المعالم يحل محلها بالآليات التي كفلها الدستور. ويمكن لهؤلاء أن يضغطوا في اتجاه إطلاق حوار وطني لتحسين شروط التعامل مع الولايات المتحدة، بما لا يؤثر سلبا في المستقبل علي المصالح الاستراتيجية لباكستان، كما يمكنهم أن يفكروا في مساعدة المقاتلين الذين يستهدفون القوات الأجنبية علي أرض أفغانستان، وليس من يستهدف المدنيين، ويحارب فقط من أجل حيازة السلطة، مهما كان حجم الدمار الذي يخلفه في سبيل تحقيق هذه الغاية غير النبيلة.
لقد طالب »الإسلاميون« في وادي سوات بتطبيق الشريعة، وكان لهم ما أرادوا، حيث أبرمت الدولة معهم اتفاقا عبر الحكومة المحلية في الإقليم ينص علي وقف طالبان إطلاق النار مقابل سماح السلطات بإنشاء محاكم لتطبيق الشرعية الإسلامية داخل مقاطعة ملاقند، فانتهت بهذا فترة من القتال والفوضي هناك. لكن طالبان لم تلتزم بإلقاء السلاح، واستمرت في تحدي الدولة الباكستانية، وإحراجها أمام شعبها وأمام العالم، مما جعل السلطات تتبني هذه المرة المعادلة الصفرية في مواجهة »الطالبانيين« وتتحدث عن »اجتثاث« مهما كان هذا علي حساب مدنيين، لم يرق لهم مسلك طالبان، ومهما أدي هذا المسلك إلي إظهار الحكومة الباكستانية وكأنها تنفذ مخططا خارجيا لتعرية ظهر طالبان الأفغانية، وهي مسألة ستوجد مشاكل داخلية للسلطة، مع شعب بات قطاع منه ممتعضا من تخلي باكستان عن تصورها القديم الذي كان يسعي بجد واجتهاد كاملين إلي جعل أفغانستان ظهيرا لباكستان، ويحارب أي نفوذ للهند هناك.
لكن معالجة أي خلل في فهم الحكومة وإدراكها لا تتم بإشهار السلاح، وجرح هيبة الدولة، وهي مسألة لا يفهمها الطالبانيون علي وجه الدقة، لأنهم لا يعطون ذهنهم إلا لـ»التصورات والحتميات الأيديولوجية« التي تدفع في اتجاه إعلان »الإمارة الإسلامية« مهما كان شكلها أو حجمها أو قدراتها أو حتي قدرها المحتوم. وهذه الداء متأصل في تفكير الكثيرين من أصحاب التصور السياسي الإسلامي الراديكالي، حيث يتحدثون دوما عن »الهجرة« و»الوطن البديل« و»الإمارة«.
ورغم أن التصور الإسلامي المعافي من ضيق التطرف- الذي تمتثل له الأغلبية الكاسحة من المسلمين، والأكثرية الظاهرة من بين المنتمين إلي الجماعات والتنظيمات السياسية ذات الإسناد الإسلامي- يرفض هذا المسلك، فإن فكرة إعادة إنتاج حادث الهجرة، لا تزال تراود قلة معزولة فكريا من المنخرطين في صفوف هذه الجماعات وتلك التنظيمات، بعد أن قام بعضهم بتنفيذها في أرض الواقع، مثل عبد الله السماوي وشكري مصطفي وهما من قادة الأجنحة المتطرفة لـ »الحركة الإسلامية« في مصر خلال سبعينيات القرن المنصرم، وأسسا هذا السلوك علي اعتبار أن المجتمع يعيش »جاهلية« جديدة، حسبما ذهب سيد قطب في كتابه الصغير المؤثر »معالم في الطريق«.
وإذا كان الأخذ والرد مع معتنقي هذه الفكرة في مصر قد هز يقينهم في التمسك بها، وجعل الكثيرين يراجعون موقفهم، فإن مثل هذا »الاشتباك الفكري« لم يتوفر لمن تركوا أرض العرب طيلة عقد كامل من الزمن، امتد من 1979 إلي 1989 من أجل »الجهاد« في أفغانستان. فبعد الخروج الذليل للاتحاد السوفيتي المنهار من أرض الأفغان، لم يجد الشباب العربي، الذي سلك إلي كابول دروبا رسمية معلومة وبتدبير أمريكي متفق عليه، الأبواب مفتوحة للعودة إلي الديار. وإذا كانت قلة قد تسللت عبر النوافذ الضيقة، ودخلت إلي وطنها الأم، لتواجه الاعتقال أو الملاحقة الداخلية، فإن الأغلبية فضلت البحث عن الخيار المر، وهو »الوطن البديل«.
ولم يجعل الانقلاب الذي شهدته السودان في آب (أغسطس) من عام 1989 هؤلاء يتحيرون طويلا في تحسس مواضع أقدامهم الباحثة عن »وطن بديل«. فالنخبة الجديدة التي وصلت إلي سدة الحكم في الخرطوم رفعت شعارات »إسلامية« بلغت في طموحها حد تصور إمكانية قيام »أممية« أو علي الأقل الإحلال محل التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين. ومن ثم كانت وجهة »الأفغان العرب« هي السودان، خاصة بعد أن تمكن زعيمهم الروحي أسامة بن لادن من الذهاب إلي هناك.
فلما توغل الأمريكيون في أرض الصومال عام 1992 تحت لافتة ما يسمي »التدخل الحميد«، وجد »الأفغان العرب« أنهم أمام فرصة جديدة للجهاد ضد الدولة التي كانت قبل ثلاث سنوات فقط تمثل الظهر الأقوي والأهم في مساندتهم، فذهبوا إلي الصومال، نزولاً من السودان أو إبحارا من اليمن، الذي كانت جباله الوعرة ملاذا لكثير من هؤلاء. ومن هنا اتسعت أمامهم رقعة »الوطن البديل« لتشكل مثلثا جغرافيا، قاعدته السودان ووتراه اليمن والصومال، مع بعض الهوامش في كينيا وتنزانيا.
لكن هذا الوطن الموزع علي قارتين وثلاث دول لم يكن آمنا بأي حال من الأحوال، إنما كان مكانا عابرا لهبوط اضطراري من قادة »الأفغان العرب« وأتباعهم. فلما استولت حركة »طالبان« علي أفغانستان، وأزاحت الفرقاء من مجاهدي الأمس لاح في الأفق المكان الآمن، الذي يظلله توافق الرؤي، ووحدة التصور والمصير، فشد الشباب المطارد الرحال إلي هناك يحملون علي أكتافهم ما تبقي من أمتعة بسيطة، وفي أعينهم حلم التحقق والتمكن السياسي، الذي تجاوز حدود أفغانستان، ليسيح في العالم الفسيح. من هنا جاء ضرب سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام، بعد سلسلة هجمات محدودة نسبيا ضد أهداف أمريكية في منطقة الخليج، ليجر الحليفين (طالبان والعرب الأفغان) إلي مواجهة صريحة مع القوي الكبري في عالمنا المعاصر. فلما وقع حادث الحادي عشر من أيلول دفعت الولايات المتحدة بجيش جرار إلي أفغانستان، وأزاحت طالبان عن الحكم، فأزالت بالتالي وطن »القاعدة«، وشتتت عناصرها في البلاد.
جاء غزو العراق ليفتح أمام فلول القاعدة طريقا أخري إلي »وطن بديل«، سموه »إمارة العراق الإسلامية«، التي تتآكل الآن لأنها مجرد وهم، كما هي الحال في »إمارة سوات« التي ينهي الجيش الباكستاني حاليا وجودها تماما.