حضانات الزمن الجميل‮ !‬

رجائى عطية في عام 1925، وهو العام الذي تخرج فيه أبي رحمه الله من مدرسة الحقوق الملكية، حسب مسمّي كلية حقوق القاهرة في ذلك الزمان، اكتمل إنشاء الجامعة المصرية الحكومية...

رجائى عطية

في عام 1925، وهو العام الذي تخرج فيه أبي رحمه الله من مدرسة الحقوق الملكية، حسب مسمّي كلية حقوق القاهرة في ذلك الزمان، اكتمل إنشاء الجامعة المصرية الحكومية وأنشئت كلية الحقوق إلي جوار كلية الآداب، وإن ظل طلاب الكليتين يدرسون معا في السنة الأولي برنامجا تحضيريا في الأدب والتاريخ وعلم النفس والاجتماع واللغات الكلاسيكية.. في ذلك العام جمع الصف الدراسي بكلية الحقوق بين عبقريتين فذتين ملآ الحياة فيما بعد: أستاذي الجليل محمد عبد الله محمد، والأستاذ الكبير محمد مندور.. كلاهما عمل بالمحاماة وظلاّ يلتقيان من وقت لآخر، وإن رجح النقد والأدب في حياة محمد مندور، دون أن يترك المحاماة، بينما لم يحل القضاء أولا ثم العمل بالمحاماة بين محمد عبد الله محمد وبين أن يقدم كتابه الغير مسبوق في معالم التقريب، ولا ديواني شعره: »العارف« و»الطريق«.


يحكي محمد مندور في حديثه إلي الأستاذ فؤاد دواره ( كتاب عشرة أدباء يتحدثون ) ـ أنه في تلك السنة التحضيرية التي جمعت بين طلاب الحقوق والآداب، حاضرهم الدكتور طه حسين في »الشعوبية وانتحال الشعر«.. معلنا للطلاب أنه سيلقي عليهم المحاضرة في ثلث ساعة، ثم علي كل طالب أن يكتب ملخصا لها في مدة لا تزيد علي خمس دقائق.

أتاهم الدكتور طه حسين ليعلن عليهم في اليوم التالي أن أحسن تلخيص قرأه هو ما كتبه الطالب محمد عبد الحميد موسي مندور، واستدعاه لمقابلته بعد المحاضرة، وهنا سبب ما أرويه لك..

سأله الدكتور طه حسين عن الكلية التي طلب الالتحاق إليها، فلما أجابه محمد مندور بأنها كلية الحقوق، سأله لماذا، فأجابه: ليصير وكيلا للنيابة. هنا قهقه الدكتور طه حسين وهو يسأله لماذا وكيلا للنيابة بالذات، فأجابه محمد مندور لأنه الرجل الذي تهتز له بلدتنا كلها عندما يحضر إليها.

»أما فلاح صحيح«.. عبارة أطلقها الأستاذ الدكتور وهو يراجع تلميذا بالسنة الأولي لا يعرفه، ويعطيه اهتمامه ووقته.. أتبعها بنصحه بالالتحاق بكلية الآداب لأن لديه استعدادا أدبيا ملحوظا لا شك فيه. ولكن الطالب يصمم علي كلية الحقوق ولا يستجيب لنداء الأستاذ ! فهل ضاق به الأستاذ أو صرف عنه النظر؟!

يجيب محمد مندور بأن الدكتور طه حسين جعل يحاول إغراءه بأنه سوف يتفوق في الآداب وسوف يسافر بعد تخرجه في بعثة إلي أوروبا ثم يعمل أستاذا بالجامعة، ولكن يأبي محمد مندور إلاّ الإصرار علي ما يريد، فلا يغضب الأستاذ، ولا يضيق صدره، ولا ييأس، ولا يضن علي التلميذ العنيد بوقته، ويمضي لأداء رسالته في احتضان من ارتأي فيه موهبة جديرة بالاحتضان، فيقول له: »أما فلاح مخه ناشف. طيب يا سيدي، ابق في الحقوق كما تريد، ولكن علي أن تلتحق بكلية الآداب في نفس الوقت، وأنا أتعهد بإعفائك من مصروفات كلية الآداب، ولن يصعب عليك الجمع بين الكليتين لأن الدراسة بعد السنة الإعدادية ستكون في الصباح بالحقوق، وبعد الظهر بكلية الآداب«.

باقي القصة معروف، فقد جمع محمد مندور بنجاح بين دراسة الحقوق والآداب، وحصل علي إجازة الآداب بقسم اللغة العربية وكان ترتيبه الأول سنة 1929، ثم أتم دراسته في قسم الاجتماع وليسانس الحقوق سنة 1930 حيث تخرج مع الأستاذ الكبير وأول الدفعة الدكتور محمد عبد الله محمد، وصار محمد مندور علما من أعلام الأدب والنقد وأستاذا وشيخا لجميع النقاد منذ كتابه اللافت الذي حصل به علي الدكتوراة: »النقد المنهجي عند العرب«.

هكذا كانت الدوائر الحاضنة في ذلك الزمن الجميل، ولو لم يتوقف الدكتور طه حسين ويعطي ما أعطاه من اهتمام ورعاية لمن توسم فيه الموهبة الأدبية، لربما حرمت الحياة الأدبية والنقدية من العطاء الغامر الرفيع الذي أعطاه الدكتور محمد مندور.

نضوب الدوائر الحاضنة في زماننا، يوري بالانكفاء علي الذات، وانقطاع التواصل بين الأجيال.. ظني أن أستاذية طه حسين للأدب العربي ترجع إلي ما أعطاه وهيأه من تواصل مع تلاميذه، بالتوازي مع ما كتبه وأبدعه في الثقافة والأدب العربي.