بين الموضوعية والشخصية

رجائى عطية نشرت جريدة الفجر، السبت الماضي 15/8 ـ قائمة بأسماء بعض أعضاء مجلس الدولة من أبناء المستشارين بالمجلس وغير المجلس، ومن أبناء لواءات بالشرطة، أو كبراء من ذوي السلطة...

رجائى عطية

نشرت جريدة الفجر، السبت الماضي 15/8 ـ قائمة بأسماء بعض أعضاء مجلس الدولة من أبناء المستشارين بالمجلس وغير المجلس، ومن أبناء لواءات بالشرطة، أو كبراء من ذوي السلطة والنفوذ.. ومن قبلها نشرت صحف أسماء لأبناء ضباط الشرطة الذين انضموا وينضمون إلي كليتها، ومن أبناء المستشارين ورجال القضاء الذين عينوا بالقضاء، ومن أبناء أساتذة الجامعات الذين عينوا فيها، ومن أبناء رجال الإعلام الذين عينوا بالتليفزيون والإذاعة والإعلام، وأصداء ذلك ليست قاصرة علي هذه الجهات، فتراها في مرافق كثيرة ومصحوبة في معظم الأحوال بتجاوز معايير التعيين وأسبقيات المتقدمين حسب درجة تخرجهم أو غير ذلك من المعايير الموضوعية التي لايجوز التعيين إلاَّ علي مقتضاها!


فأنت تري إذن أن المشكلة ليست في مجلس الدولة بخاصة، أو في الجامعات والقضاء والشرطة والإعلام، وإنما هذه الظاهرة ضاربة للأعماق في شتي المجالات، تضرب عدة مبادئ جملة واحدة.. فهي تضرب مبدأ المساواة بين المواطنين الذي لا يجوز إزاءه ترك التقويم الموضوعي إلي أهواء العصبيات أو الطائفيات أو القرابات أو المحبات أو المحسوبيات أو الرجوات أو ما خفي أمره!!

وهي أيضا تضرب قيم المجتمع في الصميم، فتحل هذه المعايير الفاسدة الحولاء محل قيم العدل والحق والسواء والشفافية، وتضرب قيمة الكفاءة والاجتهاد، وتحل محلها هذا الجنوح الذي يجري خدمة للأغراض من وراء الأستار، وأحيانا أمامها حين يفتضح الأمر وتفجر مثالبه أو فضائحه.. ومع ذلك لا يبالي أصحاب الشأن بشيء من ذلك، وقد يتطرق بعضهم فيحيل من تجرأ علي كشف المستور ولم يراع محارم الكبار ـ إلي النيابة والقضاء بتهمة السب والقذف أو إهانة الهيئة.. التي لو حافظوا علي كرامتها، لما زجو إليها بأرتال من المعينين خارج قواعد المنافسة والشفافية والمساواة!!

وهي أيضا تضرب قيمة »الموضوعية«، وتحــل محلها العواطف أو المحبات أو الأغـراض

»الشخصية«، وهذه الموضوعية المتجني عليها ـ سجية تتواري باعتياد هجرانها.. ويتنادي الجميع بتغييبها حين يرون أنها لا تشفع لمجتهد أو صاحب حق، وأن سالكها الملتزم بها أقرب إلي العبط والخبال في مجتمع تراضي علي هجران »الموضوعية« والسير وراء الأهواء »الشخصية«، وقعد جاهلاً أو خائفاً أو مستسلما أو يائسا عن ضرب كل أسس الموضوعية، ثم لا يجد بعد ذلك بأسا ـ بحكم الاعتياد ـ من مباركة هذه الآفة ومجاراة السائرين في ممارستها أملاً في أن يحقق لنفسه أو ذويه أو أبنائه ما قعدت الهمة والكفاءة والجدارة والتفوق عـن تحقيقه!!!

الذين يتحدثون عن تداول السلطة أو التوريث، لا يلتفتون إلي أن ذلك صار سمتا عاما نساهم فيه جميعا.. في الوظائف وفي المهن والحرف، يدفعنا إلي ذلك الاحتكار أو التوريث، غلبة الأثرة علي الإيثار، والانحصار في الأغراض الشخصية مهما كانت صغيرة والالتفات عن الأهداف العامة مهما كانت كبيرة، فلم نر حزبا من الأحزاب المصرية جري فيه تداول السلطة اللهم إلاَّ بتراضي العظيم خالد محيي الدين علي الاعتكاف بحكم السن والصحة، وأيضا بحكم رغبته في أن يصادق عمله ما يقوله ويتنادي به!

يبدو أن »الفرعون« راقد في أعماق كل منا، لا يختفي إن اختفي إلاَّ مغلوبا علي أمره، فإن أتيحت له الفرصة، انطلق يباشر »فرعونيته« في ثقة وإصرار وزهو، لا يدع لأحد ولا لقيمة ولا لمبدأ ـ أي فرصة في زحزحته عما يريد!!

تلحظ هذه »الفرعنة« في الخفير وعسكري الدرك، وتلحظها في أي كبير.. خذ مثلا ما بتنا نراه في بعض صحفنا القومية، ولا أريد التسمية، فلا أقصد إغضاباً أو إهانة.. ما إن يتولي أحد رئاسة التحرير حتي يتضخم بنط اسمه، وهذا وارد ومفهوم ومقبول، ولكنا بتنا نري الصفحة الأولي لجريدة أو مجلة قومية مصدرة بالكامل بمقال لرئيس التحرير.. وملء الصفحة الأولي بمقال واحد عمل يجافي أسس العمل الصحفي، حيث ينبغي أن تحمل هذه الصفحة عناصر العدد الأساسية الهامة والمتعددة التي تجذب إلي شراء الجريدة أو الصحيفة، وتجذب للإطلاع علي مادتها.. وأيا كانت مهارة وقدرة وتفوق ونبوغ وألمعية رئيس التحرير، فإن ما يكتبه لا يجوز أن يأخذ كل الصفحة الأولي.. لقد كتب في الصحافة رؤساء تحرير كبار جدا، وكتاب عظام جدا، وأعلام تملؤ أسماؤهم صفحات الأفق، ومع ذلك لم نر مقال الأساتذة طه حسين وهيكل والصاوي ومصطفي وعلي أمين وإحسان عبد القدوس وأحمد بهاء الدين ـ لم نر مقال أي من هؤلاء ومن علي وزنهم يملأ الصفحة الأولي للجريدة أو المجلة بكاملها، وقصاراها أن تحمل جزءاً منه ثم تحيل إلي باقي المقال في داخل العدد!

فما الذي جري في بر مصر ؟!

وما الذي أصاب المصريين ؟!

ولماذا صارت »الفرعنة « و »احتكار السلطة« ـ أول ما نفكر فيه حين نتبوأ موقعا فنمسك بتلابيبه.. لنا ولمن نحب من بعدنا ؟!

ظني أن هذه العيوب ضاربة الأطناب في حياتنا.. ينبغي أن نتأملها ببصيرة، وأن نعالجها بفطنة وحكمة وإرادة وعزم وإصرار! فهل نفعل ؟!!