إهدار أحكام القضاء‮!‬

رجائى عطية الثأر عادة ضالة عمياء ذميمة، فليس حسبها أنها في عماها تخالف القانون، وتعطيه ظهرها، وإنما هي في عماها لا تميز بين مذنب وبريء، بل هي تختار للثأر من...

رجائى عطية

الثأر عادة ضالة عمياء ذميمة، فليس حسبها أنها في عماها تخالف القانون، وتعطيه ظهرها، وإنما هي في عماها لا تميز بين مذنب وبريء، بل هي تختار للثأر من تكون الوجيعة فيه أكثر فداحة وأشد ألماً.. لا تلقي بالاً حتي إلي الدين، ولا تبالي بقول القرآن المجيد: »وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ« (الإسراء 13)، ولا بقوله: »وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَي« (الأنعام 165، فاطر 18).. ولا تبالي بالعقل الذي يأبي أن تتجه بالانتقام إلي من لم يرتكب في حق المنتقم إثما، ولم يصبه بضر!!


وعرفت ضلالة الثأر، إلي جوار القتل الضرير، عرفت الاتهام الكيدي، فتتجه به عالمةً مدركة إلي من توقن أنه ليس الفاعل، مادام إتهامه يوجع إيجاعاً أشد، ويصيب أهله وذويه وقبيلته بحسرةٍ قد لا تصيبهم إذا أقيم الاتهام علي الفاعل!!

وقائع أو جرائم الثأر، هي سجال ضرير بين الأسر والقبائل لا بين أشخاص، بل هي تتجاوز الأشخاص وتعني بضرب الأسرة أو القبيلة.. لذلك تتعدد في الثارات الاتهامات الثأرية إلي جوار القتل الثأري!.. وعبر رحلة طويلة في رحاب القضاء والمحاماة، صادفتني وقائع عديدة عجيبة في عماها الضرير.. قُتل فيها أبرياء، واتُّهِمَ أبرياء، وأحياناً ما يخيل الكيد والتلفيق علي العدالة ذاتها، فَيضام من لم يرتكب وزرا، ويفلت الفاعل أو الفعلة الحقيقيون من عقاب القانون، لتتراكم جبال الثأر، وتمضي هذه الآفة الضالة في طريقها غارقة في بحور العماء!!

وكّلت من نحو عام، في جناية محالة إلي محكمة جنايات الأقصر.. أقيم الاتهام فيها ضد أربعة بقتل المجني عليه، وثلاثة آخرين بأنهم شركاء لهم بالاتفاق والمساعدة.. الغريب الذي لفتني أن أسرة المجني عليه قد وجهت سهامها ضد سبعة اختارتهم بعناية، قدمت علي رأسهم والد قتيل إتُّهِمَ سلفاً في قتله أربعةٌ منها، وجاري محاكمتهم علي هذه الجريمة من أكثر من سنتين.. لابد إذن أن يتوجه الاتهام الثأري إلي والد القتيل الجاري المحاكمة عن قتله.. ولكن أسرة المجني عليه لم تكتف بوالد القتيل، فأضافت إليه شقيقه وعمه وخاله وثلاثة من أولاد عمومته المباشرة.. ليبتلي والد الذي قُتِلَ سلفاً بأمس، بأنه قد صار متهماً ـ بعد فقد ابنه قتلاً ـ هو وابنه الآخر وشقيقه وأولاد أشقائه وصهره شقيق زوجته!!

قدمت الأسرة شاهدين منها، لم يشاهدا الواقعة المستشهد بهما عليها، ولكنهما لُقنا خطة رسم أدوار الاتهام بعناية.. أن المتهمين الأربعة الأول، قد جاءوا إلي مسرح الحادث في سيارة ميكروباس يقودها أحدهم، ويتربص بداخلها ثلاثة يحملون بنادق آلية، اختص أحدهم، وهو خال القتيل السابق، بإطلاق النيران علي المجني عليه، بينما قام الآخران: والد القتيل السابق وعمه، بإطلاق النيران من السيارة لمنع أي تدخل، مع أن رواية الشاهدين أنه لم يوجد علي مسرح الحادث سواهما والمجني عليه، وأنهم كانوا بلا سلاح!

اقتضي الإخراج المتفق عليه أن يتهم الثلاثة الباقون، شقيق القتيل السابق وولدي عمه، بأنهم مروا علي موتوسيكل قبل (10) دقائق للمراقبة والتأكد من وجود المجني عليه أمام منزله، وزاد والده فنسب إليهم أنهم كانوا يطلقون النيران من طبنجات يحملونها، ولأن عمل الناضورجية لا يتم في هذا العلن وبهذا الأسلوب، وإلاّ كان تحذيراً لا توطئةً لاصطياد، فإن الشاهدين المستشهد بهما نفيا قصة الطبنجات والإطلاق، واقتصرا علي ترديد المرور بالدراجة البخارية، بينما صمم الأب علي أن لهم دورا في الجريمة، فافترض الاتهام اقتراضا، أن هذا المرور العابر، يشكل اشتراكا في جريمة القتل مع المتهمين الأربعة الأول!

الشيء الذي فات هذا التدبير، أن الأدلة المادية والفنية يمكن أن تكشف زيف الدليل القولي.. وأن ذلك وارد مهما كان التحايل في اصطناع الأدلة.. فلا توجد الجريمة الكاملة.. والتلفيق جريمة تتجه إلي إدخال الغش علي العدالة.. وقد شاءت عناية السماء التي لا تنام، أن يأتي دليل فني لم يكن في الحسبان.. فقد قُدم إلي النيابة أثناء المعاينة ما عدده (12) فوارغ طلقات، وجزء من مقذوف.. واقتضي التحقيق إرسال المقذوف وهذه الفوارغ إلي المعمل الجنائي، الذي وإن لم يستطع تحديد عيار المقذوف لتفتته، إلاّ أنه قطع بأن جميع الفوارغ مطلقة من بندقية واحدة لا من بنادق ثلاثة، فانهار بذلك السيناريو الذي طُرِح تلفيقاً وكيداً، سواء عن إطلاق النيران من داخل السيارة بثلاثة بنادق آلية، أو قصة الأب التي نفاها الشاهدان ـ أن ركاب الدراجة البخارية التي مرت قبل (10) دقائق ـ كانوا يطلقون النار من طبنجات!!

ليس مقصدي هنا أن أروي لك تفاصيل المرافعة التي امتدت قرابة ساعتين لإعادة قراءة ما بين ووراء السطور، ولا صواب الحكم الذي قضي ببراءة جميع المتهمين السبعة، وإنما أريد أن أروي لك ما تلا صدور الحكم من تعقيب بوليسي ينطوي علي إهدار مخيف لأحكام القضاء.. فقد امتنعت السلطات البوليسية عن الإفراج عن المحكوم ببراءتهم، وزادت علي ذلك فاستصدرت قراراً باعتقالهم، وشحنتهم شحناً من سجن المحافظة الذي كانوا فيه، إلي معتقل لا علم لذويهم ـ حتي الآن! ـ به!!

هل فكر قرار الإعتقال في حال أب قُتِلَ ابُنُه غيلةً من عامين، ثم يشْحَن اعتقالاً برغم حكم البراءة هو وابنه الآخر، وشقيقه وصهره وأولاد شقيقه، إلي معتقل لعله في الواحات أو وادي النطرون، دون ذنب جناه، ودون احترام لحكم قضائي بالبراءة أصدرته محكمة من كبار المستشارين بعد البحث والتمحيص والتثبت والإستيثاق!!

أفهم دواعي التحسب للإشتعال بين الأسرتين، بيد أن ذلك لا يبرر إهدار أحكام القضاء، ولا توقيع اعتقال له العديد من البدائل التي تكفل تفادي الاحتقان.. ولكننا نأخذ دائما بأقصر الطرق، دون أن ندرك أثر إهدار أحكام القضاء علي هيبة الدولة واحترام القانون!!