تصويب قاموسنا السياسي

شريف عطية المتأمل لما طرأ علي لغة الخطاب السياسي، وللتعبيرات المستخدمة من خلاله علي الساحة العربية، من القادة السياسيين.. وإليهم ، سيان بسيان، وما يجري مؤخراً علي سبيل المثال للحالتين...

شريف عطية

المتأمل لما طرأ علي لغة الخطاب السياسي، وللتعبيرات المستخدمة من خلاله علي الساحة العربية، من القادة السياسيين.. وإليهم ، سيان بسيان، وما يجري مؤخراً علي سبيل المثال للحالتين السودانية واللبنانية بالنسبة لرئيسهما، لابد أن يصاب بالصدمة لفرط ما لحق من »جلافة« بمفردات قاموسنا السياسي في العقود الأخيرة، بخاصة بين الدول التي انتقلت فيها السلطة بشكل حاد من مناخ ليبرالي ديمقراطي.. لتتسلمها شرائح من البرجوازيات الصغيرة لم يسبق أن تصعّدت تدريجياً في تعاطيها لشئون السياسة والحكم، ولتصدر عنها من ثم -اصطلاحات وتعبيرات تتسم بعدم الكياسة- لم تكن مألوفة من قبل فيما بين رؤساء الدول أو بين المعارضين السياسيين، ولا كانت انتقلت إلي عامة الناس ليستخدموها، كما هو الحال اليوم، ضد قياداتهم القائمة أو »البائدة«.. حتي بات التاريخ العربي ليس إلا عهوداً يرجم بعضها بعضاً، من سبق أو لحق، والأمثلة علي ذلك كثيرة طوال النصف الثاني من القرن العشرين إلي اليوم، وهي ظاهرة يتفرد بها القاموس السياسي العربي، ليس مرجعها فحسب إلي ما صارت إليه الثقافة السياسية من ضحالة، ولا إلي حماسة قاصرة لشعارات ثورية خاوية المضمون، ولا إلي تلك »الفوبيا« التي امتلكت فرائص القادة العرب خشية مؤامرات تأتيهم من الداخل والخارج، بقدر ما تعود هذه الظاهرة من تدني لغة الخطاب السياسي... للنخبة والعامة علي السواء، لما صار إليه أولئك القادة »التاريخيون« من تضخم غير صحي في الشعور بالذات، يغذيها دونما انقطاع.. فرط ما تمرسوا عليه من استبداد وفردية، حتي غلبت غرور شواخصهم مصالح أوطانهم، فإذا ما استثيروا عندئذ لسبب أو لآخر.. اندفعت الكلمات من أفواههم كالحمم.. لتصيب نظراء لهم، أو معارضين لسلوكياتهم السياسية، ليحاكيها من ثم عامة الناس الذين ينظرون إلي رؤسائهم كأنصاف آلهة، سرعان ما يصابوا بالانهاك العصبي، فيقضون بسببه.. من دون قواميسهم السياسية التي تبقي إرثاً متوارثاً لمن يقفزون من بعدهم -بالصدفة أو التآمر- إلي سدة القيادة.

إلي ذلك السياق، يبدو الرئيس السوداني »البشير« كآخر سلسلة طويلة لا تزال ممتدة.. من رؤساء عرب تزلف ألسنتهم بما لا يجوز أن يصدر عن مقامهم الرفيع، إذ يشن في 21 مارس الحالي.. هجوماً حاداً وعنيفاً علي المراقبين الدوليين للانتخابات المقبلة في السودان أبريل المقبل، من التابعين لمركز »كارتر« .. رداً علي دعوتهم تأجيل الانتخابات لعوار لوجيستي وقانوني في الاجراءات المنظمة لها، ليتوعدهم »بقطع أنوفهم«.. وأصابعهم.. وندوسهم »بالجزمة«، ذلك في فلتان لغوي ليس الأول ولن يكون الأخير.. مما يصدر عن هذا الرئيس »المنهك عصبياً« إلي أن يسوق السودان إلي حتفه - لا قدر الله.

وعلي صعيد مغاير، ولكن من خلال استخدامات لنفس مفردات القاموس السياسي العربي المهترئة، يتعرض الرئيس اللبناني »العماد سليمان« لحملة شعواء من معارضيه، يريدون من ورائها »استقالة الجمهورية.. وليس الرئيس«، وبهدف إفراغ الحياة السياسية اللبنانية من توافقيتها التي لا حياة للبنان من دونها، حتي أن البعض معارضي »الرئيس« يقترح »تحويل قصر الرئاسة إلي مركز دائم لعرض الازياء، ومتجر لتجهيز الأعراس وبتنظيمها« »هكذا«، فإذ كان لبنان يتعرض لهذه الخفة اللغوية في الخطاب السياسي بين الحكم والمعارضة، وهو إحدي الدول العربية التي لا تزال رغم المحن.. يحتفظ سياسيوها بقدر كبير من الرقي السياسي المتوارث عن عهودها الليبرالية وديمقراطيتها التوافقية، فماذا يمكن أن يصيب دولاً عربية أخري.. انقرض سياسيوها.. وأصاب الحول السياسي قاموسها اللغوي.. وصارت منذ عقود خلت نهباً لمن يتناوبها، بالصدفة أو التوريث، ولا تزال.. إلي أن يدركها من يعيد إلي قاموسها السياسي.. صوابه.