رجائى عطية
يجري في الحِكَم والأمثال أنه إذا كان الكلام من فضة، فإن السكوت من ذهب!. فلماذا؟!. يقال إن الكلمة إذا خرجت منك ملكتك ولم تعد تملكها، وهذا صحيح.. وهي في هذه الحالة يمكن أن تكون عليك، ولا فكاك لك منها إن لم يكن لك فيها عذر يقبله المنطق ويقبله القانون!
ويقال إنك حين تتكلم لا تنصت، مع أن كل إضافة لثقافة ومعلومات ومخزون معارف الآدمي تأتيه حين ينصت أو يقرأ، ولا تأتيه حين يتكلم، وأن الحصيف هو الذي يقاوم شهوة الكلام وله مزالقه، ويؤثر الإنصات وله بالتأكيد مزاياه وفوائده، فهو أمان لصاحبه فضلا عما يضيفه الإنصات إليه.
ويقال إن الكلام شهوة ورغبة، وإن الصمت والإنصات وقار واتزان وحكمة.. والحكيم من يقاوم الشهوات والغرائز، ويؤثر التأمل والتدبر والتفكير، وهم ضيوف لا يطرقون باب المشغول بشهوة الكلام، ويهربون إلي من امتلك زمامه وقاوم شهوته وجعل الحقيقة والمعرفة قبلته وغايته!
هذا وغيره كلام يقال وصحيح في مجال الفكر والاجتماع، ولكن القانون يعرف حالة خاصة يطلق عليها »حق الصمت«.. وهذا الحق يعطيه للمتهم ولا يعطيه للشاهد، فالشاهد يعاقب إن نكل عن أداء الشهادة أو هرب من أدائها أو كذب فيها، وهو في جميع الأحوال لا يملك إلاّ أن يلبي طلبه لأداء الشهادة، وأن يحلف اليمين القانونية علي أدائها بالصدق والحق، وأن يلتزم بذلك فعلا فيما يقوله ويدلي به ..
أما المتهم فلا يلزمه القانون بالكلام، وأول ما يلقن للمتهم المقبوض عليه في الدول المتحضرة التي تحترم القانون والشرعية ـ تنبيهه إلي أن من حقه الصمت، وإلي أن أي كلام قد يصدر عنه يمكن أن يؤخذ عليه ويحسب دليلا ضده!
وقانوننا المصري لم يفته حق المتهم في الصمت، وإن فات التطبيقات العملية رعاية هذا الحق وتنبيه المتهم المقبوض عليه إليه .. وأقرت الأحكام وقضاء محكمة النقض حق المتهم في الصمت، وأكدت أن استعمال المتهم لهذا الحق لا يجوز أن يؤخذ كدليل عليه أو قرينة ضده، لأن الحق في الكلام حقه، يؤديه متي يشاء ويحجبه إن أراد، ويعفي من أداء اليمين إذا أراد أو قبل الكلام، وتبطل أقواله مهما تضمنت من اعترافات، لعدم مشروعية إلزامه بأداء قسم أو يمين أعفاه منه القانون، فيصير سماعه بعد القسم عملا غير مشروع يبطل كل ما يترتب عليه!
قد يصعب علي غير رجال القانون فهم حكمة وغاية إعفاء المتهم من الكلام إذا أراد الصمت، أو إعفائه من اليمين إذا تكلم، ولكن المتأمل سوف يدرك أن »العدالة« هي غاية هذا الضمان لتأمين أي متهم في موقفه الضعيف من أن يتعرض لأي صورة من صور الإكراه، بما في ذلك إكراهه ولو بالوعد علي كلام قد يضره ويؤذيه، وبما في ذلك ضغط القسم أو اليمين الذي ربما يجبره علي أن يدلي بما لا يريد الإدلاء به.. والقوانين حين تفعل ذلك، لا تفعله استهتاراً بشأن الجريمة أو رغبة في فتح الأبواب أمامها، وإنما تقديرا لاعتبارات أسمي تتعلق بالحرية والعدالة.. هذه الحرية لا تتجزأ ولا تنفصل عن العدالة.. فهما قسيمان مشاركان لغاية واحدة هي حق الإنسان في أن يكون له ضمان يحفظه ويصونه من أي تغول أو افتئات عليه، لذلك قالوا إن تبرئة ألف مذنب، أفضل وآمن من إدانة بريء واحد.. فإدانة البريء تفزع الضمائر الحية، وتقوض أركان وأمان المجتمع حتي قيل إنه تنشق له السموات، وجاء في الحديث الشريف أنه »ظلمات يوم القيامة«، وقال القرآن المجيد في شأن الظالمين: »مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يطَاعُ«
حضرتني هذه الخواطر وأنا أقرأ عن لوذ الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح ومن حذوا حذوه ممن قبض عليهم من الإخوان المسلمين في القضية الأخيرة من ضمن القضايا المتكررة التي تفتح عليهم من وقت لآخر، تشم فيها رائحة السياسة قبل اعتبارات ودوافع الحق والقانون .. هنالك لا يجد المقبوض عليه أمام جـدار السلطـة العالـي، وقدراتها اللامحدودة،إلاّ أن يلوذ بالصمت الذي أعطاه له القانون وكفل استخدامه حين لا يجد الإنسان ملاذا له سواه!
لقد كان لي موقف مشابه في المحاماة، يرجع إالي ثمانينات القرن الماضي، حين كنت حاضرا بتحقيق في نيابة الأموال العامة، وأردت أن أسجل قبل بدء سماع موكلي اعتراضاً، اعترض المحقق علي تسجيله إلاّ بنهاية التحقيق، وهو ما يفرغه من مضمونه وقيمته، فلم أجد أمامي إلاّ أن أطلب إلي موكلي أن يلوذ بحق الصمت، وأن يمتنع عن الإجابة علي أي سؤال، وقد فعل.. لازلت أذكر كيــف تفهم المرحوم المستشار صلاح عبد الستار المحامي العام عدالة ومنطق ومشروعية طلبي، وحق المتهم إزاء ذلك في الصمت، وأذكر أيضا كيف آب الأستاذ المحقق ـ وكان عادلاً ـ فأنصف من نفسه، وسجل الطلب وأتاح لنا طبقاً للقانون أن نطلع علي ما سوف نُسأل فيه ـ قبل 24 ساعة علي الأقل من الاستجواب!
أحيانا يكون »الصمت« أبلغ حجة وأثراً من أي كلام!!
يجري في الحِكَم والأمثال أنه إذا كان الكلام من فضة، فإن السكوت من ذهب!. فلماذا؟!. يقال إن الكلمة إذا خرجت منك ملكتك ولم تعد تملكها، وهذا صحيح.. وهي في هذه الحالة يمكن أن تكون عليك، ولا فكاك لك منها إن لم يكن لك فيها عذر يقبله المنطق ويقبله القانون!
ويقال إنك حين تتكلم لا تنصت، مع أن كل إضافة لثقافة ومعلومات ومخزون معارف الآدمي تأتيه حين ينصت أو يقرأ، ولا تأتيه حين يتكلم، وأن الحصيف هو الذي يقاوم شهوة الكلام وله مزالقه، ويؤثر الإنصات وله بالتأكيد مزاياه وفوائده، فهو أمان لصاحبه فضلا عما يضيفه الإنصات إليه.
ويقال إن الكلام شهوة ورغبة، وإن الصمت والإنصات وقار واتزان وحكمة.. والحكيم من يقاوم الشهوات والغرائز، ويؤثر التأمل والتدبر والتفكير، وهم ضيوف لا يطرقون باب المشغول بشهوة الكلام، ويهربون إلي من امتلك زمامه وقاوم شهوته وجعل الحقيقة والمعرفة قبلته وغايته!
هذا وغيره كلام يقال وصحيح في مجال الفكر والاجتماع، ولكن القانون يعرف حالة خاصة يطلق عليها »حق الصمت«.. وهذا الحق يعطيه للمتهم ولا يعطيه للشاهد، فالشاهد يعاقب إن نكل عن أداء الشهادة أو هرب من أدائها أو كذب فيها، وهو في جميع الأحوال لا يملك إلاّ أن يلبي طلبه لأداء الشهادة، وأن يحلف اليمين القانونية علي أدائها بالصدق والحق، وأن يلتزم بذلك فعلا فيما يقوله ويدلي به ..
أما المتهم فلا يلزمه القانون بالكلام، وأول ما يلقن للمتهم المقبوض عليه في الدول المتحضرة التي تحترم القانون والشرعية ـ تنبيهه إلي أن من حقه الصمت، وإلي أن أي كلام قد يصدر عنه يمكن أن يؤخذ عليه ويحسب دليلا ضده!
وقانوننا المصري لم يفته حق المتهم في الصمت، وإن فات التطبيقات العملية رعاية هذا الحق وتنبيه المتهم المقبوض عليه إليه .. وأقرت الأحكام وقضاء محكمة النقض حق المتهم في الصمت، وأكدت أن استعمال المتهم لهذا الحق لا يجوز أن يؤخذ كدليل عليه أو قرينة ضده، لأن الحق في الكلام حقه، يؤديه متي يشاء ويحجبه إن أراد، ويعفي من أداء اليمين إذا أراد أو قبل الكلام، وتبطل أقواله مهما تضمنت من اعترافات، لعدم مشروعية إلزامه بأداء قسم أو يمين أعفاه منه القانون، فيصير سماعه بعد القسم عملا غير مشروع يبطل كل ما يترتب عليه!
قد يصعب علي غير رجال القانون فهم حكمة وغاية إعفاء المتهم من الكلام إذا أراد الصمت، أو إعفائه من اليمين إذا تكلم، ولكن المتأمل سوف يدرك أن »العدالة« هي غاية هذا الضمان لتأمين أي متهم في موقفه الضعيف من أن يتعرض لأي صورة من صور الإكراه، بما في ذلك إكراهه ولو بالوعد علي كلام قد يضره ويؤذيه، وبما في ذلك ضغط القسم أو اليمين الذي ربما يجبره علي أن يدلي بما لا يريد الإدلاء به.. والقوانين حين تفعل ذلك، لا تفعله استهتاراً بشأن الجريمة أو رغبة في فتح الأبواب أمامها، وإنما تقديرا لاعتبارات أسمي تتعلق بالحرية والعدالة.. هذه الحرية لا تتجزأ ولا تنفصل عن العدالة.. فهما قسيمان مشاركان لغاية واحدة هي حق الإنسان في أن يكون له ضمان يحفظه ويصونه من أي تغول أو افتئات عليه، لذلك قالوا إن تبرئة ألف مذنب، أفضل وآمن من إدانة بريء واحد.. فإدانة البريء تفزع الضمائر الحية، وتقوض أركان وأمان المجتمع حتي قيل إنه تنشق له السموات، وجاء في الحديث الشريف أنه »ظلمات يوم القيامة«، وقال القرآن المجيد في شأن الظالمين: »مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يطَاعُ«
حضرتني هذه الخواطر وأنا أقرأ عن لوذ الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح ومن حذوا حذوه ممن قبض عليهم من الإخوان المسلمين في القضية الأخيرة من ضمن القضايا المتكررة التي تفتح عليهم من وقت لآخر، تشم فيها رائحة السياسة قبل اعتبارات ودوافع الحق والقانون .. هنالك لا يجد المقبوض عليه أمام جـدار السلطـة العالـي، وقدراتها اللامحدودة،إلاّ أن يلوذ بالصمت الذي أعطاه له القانون وكفل استخدامه حين لا يجد الإنسان ملاذا له سواه!
لقد كان لي موقف مشابه في المحاماة، يرجع إالي ثمانينات القرن الماضي، حين كنت حاضرا بتحقيق في نيابة الأموال العامة، وأردت أن أسجل قبل بدء سماع موكلي اعتراضاً، اعترض المحقق علي تسجيله إلاّ بنهاية التحقيق، وهو ما يفرغه من مضمونه وقيمته، فلم أجد أمامي إلاّ أن أطلب إلي موكلي أن يلوذ بحق الصمت، وأن يمتنع عن الإجابة علي أي سؤال، وقد فعل.. لازلت أذكر كيــف تفهم المرحوم المستشار صلاح عبد الستار المحامي العام عدالة ومنطق ومشروعية طلبي، وحق المتهم إزاء ذلك في الصمت، وأذكر أيضا كيف آب الأستاذ المحقق ـ وكان عادلاً ـ فأنصف من نفسه، وسجل الطلب وأتاح لنا طبقاً للقانون أن نطلع علي ما سوف نُسأل فيه ـ قبل 24 ساعة علي الأقل من الاستجواب!
أحيانا يكون »الصمت« أبلغ حجة وأثراً من أي كلام!!